تكشف التقارير والتحليلات الغربية الأخيرة عن تحولات لافتة في قراءة موقع إيران داخل التوازنات الإقليمية، حيث باتت سياسات “الضغط الأقصى” والعقوبات الاقتصادية التي قادتها الولايات المتحدة وحلفاؤها محل مراجعة متزايدة، في تحقيق أهدافها المعلنة المتمثلة في عزل طهران أو دفعها نحو الانهيار السياسي والاقتصادي.
وعلى العكس من ذلك، تشير هذه القراءات إلى أن إيران استطاعت خلال السنوات الماضية تعزيز قدرتها على التكيف، وتوسيع حضورها الإقليمي عبر شبكة تحالفات سياسية وعسكرية وجيوسياسية امتدت من الشرق الأوسط إلى الممرات البحرية الإستراتيجية.
ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه القيادة الإيرانية أن البلاد ما تزال تواجه ضغوطا ومحاولات لاستهداف استقرارها الداخلي عبر التأثير على قطاعات الطاقة والخدمات الأساسية، وهو ما دفع الرئيس مسعود بزشكيان إلى التحذير من “مخططات معادية” تهدف إلى خلق حالة من التوتر والاستياء الشعبي داخل البلاد، بالتزامن مع استمرار التوترات الإقليمية والدولية المرتبطة بالملف الإيراني.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير في “الشؤون الإسرائيلية” أحمد الديب لـ”الأيام نيوز” أن الحرب الحالية فرضت ضغوطا هائلة على كل من الولايات المتحدة وإيران، موضحا أن واشنطن تكبدت حتى الآن خسائر تقدر بنحو 29 مليار دولار، إلى جانب التداعيات المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة وتأثيرات الحرب على شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب داخليًا.
وفي المقابل، تواجه إيران حصارا اقتصاديا خانقا غير أنها أظهرت قدرة واضحة على التكيف مع الضغوط والاستمرار في إدارة حالة الاستنزاف.
ويشير الديب إلى أن هذه القدرة الإيرانية لا تنفصل عن طبيعة التجربة التاريخية للجمهورية الإسلامية، إذ يعيش الإيرانيون منذ نحو 47 عاما تحت وطأة العقوبات الأمريكية والأوروبية، ما دفع طهران إلى تطوير سياسات اقتصادية بديلة تعتمد على ما يعرف بـ”الاقتصاد الموازي”، خصوصا عبر توسيع الشراكات مع الصين وروسيا، والبحث عن قنوات التفافية تقلل من تأثير العقوبات الغربية.
ورغم أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وضعتا أهدافا واضحة منذ اندلاع الحرب في 28 فيفري 2026، تتمثل في إسقاط النظام الإيراني أو إضعافه جذريا، وتقليص برنامجه النووي والصاروخي، ووقف دعمه لحلفائه الإقليميين، فإن هذه الأهداف لم تتحقق حتى الآن. لكنه في الوقت ذاته يرفض وصف ما يحدث بأنه انتصار إيراني كامل، مشيرا إلى أن طهران تعرضت لخسائر اقتصادية كبيرة وتدمير واسع لبعض أصولها، فضلا عن تراجع قدرات حلفائها في المنطقة.
ويستدل أحمد الديب بما تداولته الصحافة الصهيونية مؤخرا حول توقف إيران عن تمويل الحوثيين منذ نحو ستة أشهر، الأمر الذي انعكس على حجم هجماتهم بسبب تدهور أوضاعهم الاقتصادية وخشيتهم من التعرض لمزيد من الضربات. ويرى أن سياسة “الضغط الأقصى” أضعفت الاقتصاد الإيراني بالفعل، لكنها لم تنجح في إسقاط النظام أو دفعه للاستسلام، بل ساهمت في تعزيز خطاب “الصمود” داخليا، وحشد المواطنين ضد ما تعتبره طهران “عدوانا أمريكيا صهيونيا”.
وفي تفسيره لقدرة إيران على تحويل العقوبات إلى أدوات لتعزيز نفوذها، يوضح الديب أن نجاح طهران في تطوير الصناعات العسكرية، خاصة الصواريخ والطائرات المسيّرة، منحها هامشا واسعا للتحرك الإقليمي.
كما يشير أحمد الديب إلى أن تجربة الحوثيين في تهديد الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب أظهرت قدرة طهران على التأثير في الاقتصاد العالمي وطرق التجارة الدولية، وهو ما انعكس على أسعار السلع وفترات شحن البضائع عالميا.
ويرى الديب أن إيران تدرك أيضا أن العديد من حلفاء واشنطن، خاصة في الخليج وأوروبا، لا يفضلون الانزلاق نحو حرب شاملة، بل يفضلون الحلول الدبلوماسية. ومن هذا المنطلق، لجأت طهران إلى التلويح بإغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية تهدف إلى دفع القوى الدولية نحو وقف الحرب ومنع توسعها.
أما بشأن ما إذا كانت العقوبات والمواجهة العسكرية قد تدفع في النهاية إلى تكريس دور إيران كقوة إقليمية أكثر تأثيرا بدلا من احتوائها، فيؤكد الديب أن الإجابة لا تزال مرتبطة بمآلات التفاهمات المستقبلية بين واشنطن وطهران. لكنه يستبعد في الوقت نفسه أن يقبل الكيان الصهيوني ببقاء النفوذ الإيراني على حاله، مشيرا إلى أن “تل أبيب” لا تزال ترفض أي اتفاق لا يتضمن إنهاء البرنامج النووي والصاروخي الإيراني ووقف دعم الحلفاء الإقليميين.
الرابط

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق