تعليقي المنشور على صحيفة "الأيام نيوز" الجزائرية، في 12 مايو 2026، حول أسباب إحجام رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية السابقين عن توجيه ضربة عسكرية لإيران مقابل استجابة الإدارة الحالية بقيادة دونالد ترامب لطلب نتنياهو المتعلق بإعادة النظر في خِيار استهدافها.
أخطر انزلاق أمريكي بعد 47 سنة من الحذر.. كيف تَحرك فأر ترامب نحو جبنة نتنياهو؟
في 10 أفريل الماضي، أعاد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري فتح ملف حساس في العلاقات الأمريكية–الصهيونية، حين كشف في تصريح إعلامي أن رئيس وزراء سلطة الاحتلال “بنيامين نتنياهو”، كان يضغط باستمرار على واشنطن من أجل شن ضربة عسكرية ضد إيران. وأوضح كيري أنه خلال عمله داخل الإدارة الأمريكية، واجه هذا الطلب بشكل متكرر، لكنه قوبل بالرفض من إدارات متعاقبة يقودها جورج بوش، باراك أوباما، وجو بايدن، التي فضّلت تجنب خيار المواجهة العسكرية المباشرة. وفي المقابل، أشار إلى دونالد ترامب باعتباره الوحيد الذي استجاب لطلبات نتنياهو.
وانطلاقا من هذا المعطى، طرحت “الأيام نيوز”، على مجموعة من الخبراء التساؤل التالي: لماذا كان الرؤساء السابقون يرفضون ضرب إيران، بينما الرئيس الوحيد الذي استجاب لطلب “إسرائيل” هو ترامب؟ أو بمعنى أعمق: ما الذي كانت تراه الإدارات السابقة من وراء هذا القرار ولم تره إدارة ترامب، وما الذي جعل إدارة ترامب تستسهل هذا القرار؟
لدكتور محمود الهاشمي، مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية، قدّم في تصريح لـ”الأيام نيوز” قراءة لمرحلة إدارة جورج بوش الابن باعتبارها تجربة انتهت إلى نتائج وُصفت بـ”الفشل الذريع”، رغم ما رافقها من عقوبات وضغوط مكثفة على إيران. ويرى الهاشمي أن تلك السياسات لم تتمكن من الحدّ من الحضور السياسي والأمني الإيراني في العراق ومنطقة الخليج، كما أخفقت في تقويض شبكة تحالفاتها الإقليمية ضمن محور المقاومة. وفي المقابل، واصلت طهران تعزيز نفوذ حلفائها، مع بروز حزب الله في لبنان، وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، بما عزّز من قدرة هذا المحور على فرض معادلات جديدة شكّلت تحديا متزايدا للمصالح الأمريكية والصهيونية في المنطقة.
وانطلاقا من هذا الإرث، يضع الهاشمي قرار إدارة باراك أوباما برفض خيار الحرب العسكرية المباشرة في سياق تحول استراتيجي، ارتكز على تفضيل الحلول الدبلوماسية بدل المواجهة المفتوحة، مستندا إلى عدة اعتبارات، في مقدمتها تفادي الانخراط في حرب جديدة بالشرق الأوسط في ظل إرث ثقيل من العراق وأفغانستان، وهو ما جعل الإدارة الأمريكية آنذاك تميل إلى تقليص التدخل العسكري بدل توسيعه. وفي هذا الإطار، تم تقديم الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) كخيار عملي لتقييد البرنامج النووي الإيراني عبر التفاوض، وهو ما تُرجم في اتفاق 2015.
كما أُدرجت العقوبات الاقتصادية القاسية ضمن أدوات الضغط البديلة، في إطار تحالف دولي واسع، بدل اللجوء إلى الخيار العسكري المباشر. ويشير المتحدث إلى أن إدارة أوباما كانت تنظر إلى الاتفاق النووي باعتباره أداة لتجنب مواجهة مفتوحة قد تهدد “مصداقية” الولايات المتحدة على المستوى الدولي، خصوصا في حال اصطدامه برفض داخلي من الكونغرس، بما قد يفتح الباب أمام سيناريوهات تصعيد غير محسوبة.
وفي المقابل، يلفت الهاشمي إلى أن إيران قرأت تلك المرحلة من زاوية مغايرة، معتبرة أن التحولات في السياسة الأمريكية لا تعني تغييرا جذريا في المقاربة الاستراتيجية، بقدر ما تعكس استمرار سياسة تطويق دورها الإقليمي، سواء في العراق أو الخليج، عبر أدوات اقتصادية وسياسية متجددة.
الانحراف الأكبر
أما التحول الأبرز، فيربطه المتحدث بتصاعد تأثير “اللوبي الصهيوني” داخل المشهد السياسي الأمريكي، حيث واجه هذا التيار سياسة باراك أوباما القائمة على الانفتاح الدبلوماسي مع إيران بانتقادات حادة، معتبرا أن التقارب مع طهران يتعارض مع الأطماع الصهيونية في المنطقة. ووفق القراءة ذاتها، فقد ساهم هذا النفوذ السياسي والإعلامي والمالي في تهيئة المناخ لصعود دونالد ترامب إلى البيت الأبيض سنة 2016، بدعم واضح من سلطة الاحتلال الصهيوني بقيادة بنيامين نتنياهو، في سياق سعي متواصل لإعادة تشديد الضغوط على إيران وتقويض أي مسار يكرّس حضورها الإقليمي أو يمنحها هامشا أوسع في المعادلات الدولية.
وفي هذا السياق، جاء قرار ترامب لاحقا بالانسحاب من الاتفاق النووي سنة 2018 متسقا مع هذا المسار، إذ وصف الاتفاق بأنه “فاشل”، معتبرا أنه لم يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، ومنحها في المقابل امتيازات اقتصادية دون رقابة كافية، مع تجاهل ملف الصواريخ الباليستية ونفوذها الإقليمي.
وتكشف مذكرات مدير الاستخبارات ووزير الخارجية السابق مايكل بومبيو أن التردد الأمريكي لم يكن سياسيا فقط، بل نابعا من تقديرات عسكرية داخلية. إذ يقول بومبيو: “كان وزير الدفاع جيمس ماتيس والبيروقراطية في البنتاغون يكرهون إثارة ما اعتبروه عش الدبابير الإيرانية، فقد قال ماتيس لي: إذا واجهنا الإيرانيين، فإنهم سيُسيطرون على سلم التصعيد، وسننتهي في مكان سيئ للغاية”.
ويعزز هذا الطرح ما سبق أن قاله وزير الدفاع الأسبق روبرت غيتس: “نتائج ضربة عسكرية أمريكية أو صهيونية على إيران قد تكون كارثية، وستؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية، حيث ستدفع البرنامج النووي الإيراني إلى مزيد من التخفي والتعقيد، وستطاردنا لأجيال”.
كما حذّر وزير الدفاع في عهد أوباما ليون بانيتا في ديسمبر 2011 قائلا: “سنشهد تصعيدا لن يقتصر على إزهاق أرواح كثيرة فحسب، بل أعتقد أنه سيُغرق الشرق الأوسط في مواجهة وصراع سنندم عليهما، وستكون لهذا الهجوم تبعات اقتصادية وخيمة قد تؤثر على اقتصاد أوروبا الهش، وعلى اقتصاد الولايات المتحدة أيضا”.
في المقابل، اعتبر بومبيو أن هذه المخاوف مبالغ فيها، قائلا: “هذه العقلية المزعجة تعتقد بأن علينا أن نخاف أكثر من خصوم أمريكا وليس العكس”. وانطلاقا من هذا التباين، اتجهت إدارة أوباما إلى خيار الاتفاق النووي عام 2015 كبديل عن الحرب، في إطار استراتيجية تقوم على الاحتواء بدل المواجهة، مدعومة بعقوبات اقتصادية دولية.
وتؤكد دراسة أمريكية صادرة عام 2012 بعنوان “تقييم فوائد وتكاليف العمل العسكري ضد إيران”، شارك فيها 32 من أبرز خبراء الأمن القومي، أن أي ضربة عسكرية، حتى لو نجحت في إلحاق أضرار كبيرة بالمنشآت النووية، “لن تؤدي إلى إنهاء البرنامج الإيراني بل ستؤخره فقط لعدة سنوات”. كما حذّرت من أن الحرب قد تتوسع سريعا إلى مواجهة إقليمية تشمل ردودا إيرانية عبر الصواريخ وحلفائها، إضافة إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، مع احتمال أن تدفع إيران لاحقا نحو تسريع امتلاك السلاح النووي كخيار ردعي. وتخلص هذه التقديرات إلى أن التردد الأمريكي الطويل كان نتيجة إدراك عميق بأن كلفة الحرب على إيران تتجاوز بكثير نتائجها المحتملة، وأن أي قرار بالتصعيد يبقى محكوما بتوازنات ردع معقدة أكثر من كونه خيارا سياسيا مباشرا.
يعيد الهاشمي التذكير بأن إيران تُقدَّم داخل العقيدة الأمنية الصهيونية باعتبارها “الخطر المركزي” على ما يُسمى “أمن إسرائيل”، في ظل حالة من التوتر والتصعيد المتبادل بين الطرفين. غير أن هذه المقاربة، بحسب المتحدث، تعكس أيضا حجم التحول الذي حققته طهران في موازين القوة الإقليمية، عبر توسيع حضورها الاستراتيجي في عدة ساحات من بينها لبنان والعراق وسوريا واليمن وفلسطين، إلى جانب تطوير قدراتها الصاروخية والتكنولوجية والنووية. ويرى أن هذا التنامي في النفوذ الإيراني هو ما يدفع تل أبيب إلى الضغط من أجل تبني موقف أمريكي متشدّدا تجاه طهران، يصل إلى حد الدخول في مواجهة مباشرة.
ويضيف أن عودة ترامب إلى الواجهة السياسية أعادت إحياء هذا التوجه، في ظل رفض صهيوني لأي مسار تفاوضي جديد مع طهران، والضغط باتجاه منع أي تقارب دبلوماسي قد يعيد صياغة العلاقة الأمريكية–الإيرانية خارج منطق الردع الصارم. ويذهب الهاشمي إلى أن ما يميز مرحلة ترامب لا يقتصر على تغيير في أسلوب إدارة السياسة الخارجية الأمريكية، بل يمتد إلى إعادة تعريف حدود العلاقة مع الحلفاء والخصوم، بما انعكس في سياسات وصفت بأنها أكثر اندفاعا وأقل التزاما بالتوازنات التقليدية، سواء في الداخل الأمريكي أو في ملفات الخارج، من بينها إيران، فنزويلا، وأزمات العلاقة مع أوروبا وكندا.
ويخلص في قراءته إلى أن التحول في المزاج الشعبي الأمريكي، الذي بات أكثر تشكيكا في جدوى الحروب المرتبطة بالمصالح الصهيونية، يمثل عاملا متصاعد التأثير، قد يعيد رسم طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، بعد عقود من التشابك الاستراتيجي الذي ساهم في تشكيل معادلات الصراع في الشرق الأوسط.
من الاحتواء إلى الضغط.. منطق الإدارات الأمريكية قبل ترامب
في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أوضح جاستن روسيل، المدير التنفيذي لمركز السياسات الخارجية بواشنطن، أن قرارات الإدارات الأمريكية السابقة تجاه إيران لم تكن منفصلة عن مسار التقييمات الاستخباراتية الوطنية التي تصدر عن مدير الاستخبارات الوطنية، والتي شكّلت منذ عام 2003 مرجعا أساسيا في رسم حدود التعامل مع الملف الإيراني.
وفي هذا السياق، تُظهر تلك التقديرات – وفق روسيل – أن إيران لم تكن بصدد تطوير سلاح نووي، ولم تكن تسير نحو برنامج تسلح نووي واسع النطاق، وهو ما جعل مقاربة التهديد تُصاغ ضمن إطار “الاحتواء” بدل “المواجهة”. ورغم الاعتراف بوجود تهديدات متعددة تمس الأمن القومي الأمريكي، فإن القراءة الاستخباراتية السائدة اعتبرت أن هذا التهديد قابل للضبط ولا يبرر الانخراط في حرب عسكرية مباشرة، خاصة مع ما قد يترتب عليها من تصعيد إقليمي واسع.
وانطلاقا من هذه المعطيات، جرى تفسير حالة التريث التي طبعت مواقف الإدارات المتعاقبة، إذ لم تُبنَ على اعتبارات سياسية فقط، بل أيضا على تحذيرات صادرة عن خبراء الدفاع من احتمال انزلاق الولايات المتحدة إلى حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط، بما يجعل كلفة المواجهة أعلى بكثير من كلفة الاحتواء. وضمن هذا الإطار، تَحوّل رفض الاستجابة لمطالب رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو إلى نتيجة تراكمية لهذه الحسابات، وليس قرارا ظرفيا أو فرديا.
في المقابل، يربط روسيل التحول الذي شهدته مرحلة ترامب بطبيعة العلاقة الشخصية والسياسية التي جمعته بنتنياهو، حيث يقوم هذا التقارب – بحسبه – على اقتناع ترامب بمفهوم “السلام عبر القوة” الذي يجسده نتنياهو في رؤيته، إلى جانب ثقته العالية به وبالمؤسسات الأمنية الصهيونية. ويضيف أن هذه الثقة امتدت إلى اعتقاد ترامب بقدرة الاستخبارات الصهيونية على تقديم قراءة دقيقة لطبيعة التهديدات في الشرق الأوسط، وهو ما أسهم في إعادة تشكيل موقفه من الملف الإيراني، ودفعه إلى تبني خيارات أكثر تشددا مقارنة بالإدارات السابقة، التي ظلت ملتزمة بحدود التقييمات الاستخباراتية الأمريكية ومقتضياتها.
ومن جهته، يربط أحمد الديب، الخبير في الشأن الإسرائيلي، وفي تصريح لـ”الأيام نيوز”، مواقف الإدارات الأمريكية السابقة من خيار الضربة العسكرية ضد إيران بجملة من الحسابات الاستراتيجية التي جعلت هذا الخيار خارج نطاق الجدوى الفعلية. ففي قراءته، أوضح أن تلك الإدارات كانت تدرك بأن الإقدام على عمل عسكري واسع ضد إيران لن يظل محصورا في حدوده الإقليمية، بل قد يترتب عليه – على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية – انعكاسات ثقيلة تمتد إلى واشنطن والمنطقة والعالم، وهو ما جعل كلفة المواجهة تفوق بكثير أي مكاسب محتملة. كما أن الانشغال الأمريكي في تلك الفترات بملفي العراق وأفغانستان، وما تسببا به من استنزاف طويل الأمد، دفع نحو البحث عن مخارج أكثر من الدخول في جبهات إضافية مفتوحة.
ويشير الديب إلى أن هذه الإدارات خلصت، في تقديراتها الداخلية، إلى أن أي محاولة لتفكيك البرنامج النووي الإيراني أو إسقاط النظام لا يمكن أن تتحقق عبر الضربات الجوية وحدها، التي قد تؤخر المشروع لكنها لا تنهيه، وأن تحقيق أهداف من هذا النوع يستلزم تدخلا بريا واسعا، وهو ما كان يُنظر إليه باعتباره سيناريو عالي الكلفة وغير قابل للتحمل سياسيا وعسكريا.
على هذا الأساس، بقي خيار المواجهة المباشرة مؤجلا، في مقابل تبني مقاربات الاحتواء والضغط غير العسكري، بما ينسجم مع طبيعة التوازنات الدولية في تلك المرحلة. أما في ما يتعلق بمرحلة ترامب، فيربط الديب التحول الحاصل بسياق إقليمي مختلف أعقب أحداث 7 أكتوبر، حيث جرى توظيف هذه التطورات – وفق تعبيره – بشكل مكثف من قبل نتنياهو، الذي سعى إلى دفع واشنطن نحو تصور أكثر حدة تجاه ما يسميه “محور الشر”، مستفيدا من “الشخصية الجريئة والنرجسية لترامب”، إضافة إلى وعود سياسية رمزية، من بينها الحديث عن فرص محتملة لنيل جائزة نوبل للسلام في حال تحقيق نتائج حاسمة.
غير أن هذا التقارب، يضيف الديب، انتهى بارتدادات موجعة، إذ أظهرت التطورات الميدانية أن الاعتماد على التقديرات الصهيونية لم يكن دقيقا، خاصة بعد أن فشلت عمليات الاستهداف والاغتيالات في إحداث انهيار في البنية القيادية الإيرانية، التي أظهرت قدرا من التماسك المؤسسي. وقد انعكس هذا المعطى، بحسبه، على موقف ترامب نفسه، الذي بدأ في بعض المراحل يتحرك باتجاه فتح قنوات تفاوضية خارج التنسيق الكامل مع نتنياهو، في ظل تصاعد الضغوط الداخلية داخل الولايات المتحدة لإنهاء التصعيد.
ويختتم الديب بالإشارة إلى أن شخصية ترامب تمثل قطيعة واضحة مع أسلافه في الحكم، إذ اعتاد انتقاد الإدارات السابقة واتهامها بالعجز عن اتخاذ قرارات حاسمة، معتبرا أنها ساهمت في تراجع موقع الولايات المتحدة عالميا. وفي المقابل، يقدّم نفسه باعتباره قائدا يسعى إلى استعادة الدور الأمريكي عبر خيارات أكثر جرأة، بل أكثر تهورا، بما يجعل أمريكا بعد الحرب على إيران مختلفة تماما عن أمريكا ما قبلها.
الرابط


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق