من أنا

صورتي
Egypt
مترجم وباحث في الشأن الإسرائيلي حاصل على ماجيستير في اللغة العبرية وآدابها كلية اللغات والترجمة جامعة الأزهر

الأحد، 10 مايو 2026

تعليقي على جريدة "الأيام نيوز" الجزائرية بشأن تقلب مزاج الرئيس الأمريكي ترامب وأثره على أسعار الطاقة

 

في البيت الأبيض.. وسادة تُدير اقتصاد العالم

كيف سيكون سعر النفط اليوم؟.. الإجابة عن هذا السؤال لم تعد ترتبط فقط بمعطيات السوق أو مؤشرات العرض والطلب، بل باتت مرهونة بالحالة المزاجية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومستوى جودة النوم الذي تمتع به ليلة البارحة؛ فإذا كان ترامب في حالة جيدة، استقرت الأسعار ضمن مستويات معقولة، أما إذا كان مزاجه متقلبا، فإن سعر النفط يكون في أعلى مستوى.


هذه الفكرة، وإن بدت ساخرة، إلا أنه لا يمكن تجاهلها، فهي لم تصدر عن ممثل كوميدي أو كاتب ساخر، وإنما جاءت على لسان رئيس الوزراء السلوفاكي، روبرت فيتسو، الذي أشار إلى أن أسعار النفط قد تتغير تبعا للحالة التي يستيقظ عليها الرئيس الأمريكي

وقال فيتسو، خلال خطاب ألقاه في براتيسلافا: “يمر العالم بأوقات عصيبة. أسعار النفط باتت تحت ضغط، وهي تعتمد على مدى جودة نوم الرئيس ترامب. إذا حصل على قسط كاف من النوم، تنخفض الأسعار، أما إذا لم يحدث ذلك وأدلى بتصريحات، فإن الأسعار ترتفع تلقائيا.”


وأمام هذا التصريح، طرحت “الأيام نيوز” على عدد من الخبراء تساؤلا حول الدلالات التي أراد رئيس الوزراء السلوفاكي إيصالها من خلال هذا الربط الساخر بين أسعار النفط ومزاج الرئيس الأمريكي، حيث تمحورت قراءاتهم حول تشخيص مفاده بأن تقلبات ترامب، بوصفه رئيس الدولة الأكثر تأثيرا في العالم، تدفع الأسواق إلى حالة من الارتباك، وتجعلها أكثر خضوعا لضغط التصريحات المفاجئة الصادمة. 

في هذا السياق، أوضح وليد عتلم، الكاتب والباحث الرئيسي بالمركز الوطني للدراسات (القاهرة)، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن “تصريح فيتسو يحمل في جوهره نقدا عميقا لطبيعة النظام الدولي الراهن، الذي باتت فيه أسواق الطاقة العالمية، وعلى رأسها النفط، شديدة التأثر بالقرارات الفردية والتصريحات السياسية الصادرة عن القوى الكبرى، خصوصا الولايات المتحدة بقيادة الرئيس ترامب”.


وأضاف في السياق ذاته أن “فيتسو أراد أن يسلط الضوء على حالة غير مسبوقة من تسييس الاقتصاد العالمي، حيث لم تعد أسعار النفط محكومة فقط بالعوامل التقليدية مثل الإنتاج، المخزون، الطلب الصناعي، أو قرارات OPEC، بل أصبحت رهينة المزاج السياسي، والتغريدات، والتهديدات، والسياسات العقابية، والحروب التجارية، والعقوبات الجيوسياسية”.


العالم تحت الفردية المتقلبة


وفي قراءة تحليلية شاملة، أشار وليد عتلم إلى أن “هذا الربط الساخر يعكس إدراكا أوروبيا متزايدا بأن شخصية الرئيس الأمريكي أصبحت متغيرا جيوسياسيا قائما بذاته داخل المعادلة الاقتصادية العالمية”، موضحا أن “ترامب، بخطابه التصادمي، وعقوباته المفاجئة، وضغوطه على المنتجين مثل السعودية وروسيا، وسياساته تجاه إيران وفنزويلا، جعلت من واشنطن لاعبا مباشرا في تقلبات الطاقة بشكل يومي”.


واعتبر أن “تصريح فيتسو يحمل رسالة ضمنية مفادها بأن النظام الاقتصادي العالمي فقد جزءا من استقراره المؤسسي، وأصبح أكثر عرضة للتقلبات الناتجة عن القرارات الشخصية بدلا من القواعد الاقتصادية الراسخة”. كما لفت إلى أن “الربط الساخر الذي قدمه فيتسو بين الحالة المزاجية للرئيس ترامب وتذبذبات أسعار النفط يحمل دلالات تتجاوز الفكاهة السياسية”، مبرزا أنه “يعبر في المقام الأول عن “شخصنة السياسة الدولية” وتحوّل مراكز القوى العالمية من المؤسساتية الرصينة إلى الفردية المتقلبة”.


وتابع موضحا أن “الاقتصاد العالمي، وبخاصة قطاع الطاقة الحيوي، بات يفتقر إلى القدرة على التنبؤ، حيث لم تعد التحليلات الاقتصادية المبنية على أساسيات العرض والطلب كافية لفهم اتجاهات السوق، بل أصبحت “التغريدة” أو التصريح اللحظي هي المحرك الأساسي للمضاربات”.


وفي الإطار نفسه، شدد على أن “هذا الطرح يعكس قلقا أوروبيا عميقا من تآكل النظام الدولي القائم على القواعد، واستبداله بنموذج “الدبلوماسية عبر الصدمات”، حيث يمكن لقرار فردي نابع من انفعال لحظي أن يعيد تشكيل تكاليف الإنتاج والشحن عالميا”، مضيفا أن “القوة التأثيرية الكبرى تظل محصورة في “مزاجية” القطب الواحد، ما يضع أمن الطاقة القومي للدول الصغيرة والمتوسطة في مهب الريح”. كما خلص إلى أن “الإشارة إلى “جودة نوم” الرئيس ترمز إلى هشاشة الاستقرار العالمي”، معتبرا أنها “نقد مبطن لمدى ارتهان مصالح الشعوب والنمو الاقتصادي العالمي بسلامة المنظومة الإدراكية لشخص واحد”.

ما وراء السخرية


من جانبه، اعتبر أمين وافي، دكتور في العلاقات الدولية، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن “التصريح ليس “نكتة” سياسية بقدر ما هو نقد لاذع ومباشر لهيكلية النظام الدولي والأسواق العالمية”، داعيا إلى “النظر إلى ما وراء السخرية” في مثل هذه المواقف. وأوضح أن “في السياسة كل كلمة وكل حركة من الجسد تعتبر لغة يتم تحليلها والبناء عليها”، مشيرا إلى أن الربط بين الأسعار و”جودة النوم” يعكس “حالة من اللايقين، حيث يمكن لتغريدة واحدة أو تصريح غير مدروس أن يربك الأسواق العالمية”.


وأضاف أن هذا الطرح يندرج ضمن “الشخصنة المفرطة في السياسة الدولية”، حيث “لم تعد الأسواق تخضع لقوانين العرض والطلب الكلاسيكية أو البيانات الاقتصادية الصلبة، بل أصبحت رهينة لردود الفعل الفردية والقرارات اللحظية للقادة المؤثرين”. كما رأى أن الإشارة إلى ترامب تعكس “حجم النفوذ الطاغي الذي تمارسه أمريكا على الاقتصاد العالمي”، موضحا أن ذلك يكرّس حالة من “التبعية القسرية” لدى دول تجد نفسها متأثرة بقرارات لا تملك التأثير فيها.


وفي السياق ذاته، أشار إلى أن استخدام مفهوم “الحالة المزاجية” يحمل “طعنا في عقلانية النظام العالمي”، معتبرا أنه أقرب إلى “نظام انفعالي” منه إلى منظومة منضبطة. كما حذر من أن “أمن الطاقة ليس مضمونا، مادام أنه مرتبط بتقلبات سياسية خارجية لا تخضع لمنطق اقتصادي سليم”، ليخلص إلى أن “تصريح فيتسو هو صرخة سياسية مغلفة بالكوميديا السوداء، احتجاجا على تحوّل القرارات المصيرية إلى “مزاجيات” فردية”.


بدوره، أوضح مصطفى زكرياء، محلل سياسي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن “ما حاول روبرت فيتسو الإشارة إليه هو أن السوق العالمية اليوم لم تعد تلك المنظومة المستقرة التي تُدار فقط بقوانين العرض والطلب”، مشيرا إلى أن “هناك نوعا من الهشاشة أو الارتباك، بحيث إن أسعار النفط لم تعد تتحرك بناء على معطيات اقتصادية بحتة”. وبيّن أن “الأسواق أصبحت تتأرجح بشكل ملحوظ مع كل تطور سياسي أو حتى مع تصريح يصدر عن شخصية مؤثرة مثل دونالد ترامب”، معتبرا أن هذا الواقع يعكس “حساسية مفرطة للمناخ السياسي”.


وأضاف أن “الأسواق قد تتفاعل مع مواقف أو تغريدات أو خطابات أكثر مما تتفاعل مع المؤشرات الاقتصادية الحقيقية”، وهو ما يعكس “حالة من عدم اليقين”، حيث “لم تعد القواعد التقليدية كافية لتفسير ما يحدث”، وأصبح “المزاج السياسي لاعبا رئيسيا في توجيه الأسواق. 

من جهته، رأى إلياس الخطيب، الخبير في الشأن الدولي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن “تصريح فيتسو لم يأتِ ساخرا بقدر ما أصاب عين الحقيقة”، مشيرا إلى أن “النظام العالمي هش جدا إلى درجة أن تصريحا من ترامب قد يرفع أو يُخفض من سعر النفط”. وأضاف أنه “إذا كان اقتصاد العالم قائما على تصريحات، فذلك يدل على مدى تآكل هذا النظام”، معتبرا أن ما يحدث يعكس “بداية أفول الهيمنة الأمريكية”.


وأوضح أن العالم “كان يعيش على خيط رفيع”، وأن هذه التحولات قد تقود إلى “تفكك النظم الحالية وظهور نظام عالمي جديد”، مشيرا إلى أن “العالم يتجه نحو التعددية القطبية، لكن ذلك لن يحدث دون كلفة”. كما لفت إلى أن تأثير تصريحات ترامب “لم يعد كما كان في السابق”، ما يعكس “بداية فك الارتباط بالهيمنة الأمريكية، ومحاولات بناء نظم اقتصادية وطاقوية بديلة”. وختم بالإشارة إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد “إعادة تشكيل الخرائط الاقتصادية والممرات التجارية”، مؤكدا أن “الدول الأكثر قدرة على التكيّف مع هذا التحول هي التي ستحقق مكاسب أكبر”، في ظل نظام دولي جديد قيد التشكل.


ماذا تبقى من انضباط القرار الأمريكي؟


قبل تصريح رئيس الوزراء السلوفاكي، روبرت فيتسو، كان رئيس البرازيل، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، قد وجّه انتقادا لاذعا إلى ترامب في مقابلة مع صحيفة “إلباييس” الإسبانية نُشرت (يوم الخميس 16 أفريل)، قائلا: “ليس من حق ترامب أن يستيقظ صباحا ويهدد دولة ما”، في إشارة إلى تهديد الرئيس الأمريكي العلني في 7 أفريل بمحو الحضارة الإيرانية في إطار الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وهي الحرب التي أحدثت أزمة في أسواق الطاقة؛ السؤال: إلى أي حد يعكس تصريحا فيتسو ولولا دا سيلفا حجم المخاوف العالمية من هذه المزاجية التي تتحكم في خطابات ترامب؟

في هذا الإطار، اعتبر أبو الحسين غنوم، خبير العلاقات الدولية والدبلوماسية، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أنه “في النماذج التقليدية للعلاقات الدولية، كانت قوة الولايات المتحدة ترتبط بقدرتها على إنتاج ‘سلوك يمكن التنبؤ به’، حتى في أوقات التصعيد. أما اليوم، فالمعضلة ليست في حدّة القرارات الصادرة من البيت الأبيض، بل في درجة عدم اليقين المحيطة بها”. وأضاف موضحا أن “هذا تحديدا ما التقطه فيتسو بصيغة ساخرة، وما عبّر عنه لولا دا سيلفا بلغة مباشرة: القلق لم يعد من القرار نفسه، بل من (قابلية القرار للتقلب)”.


وفي قراءة أعمق لهذا التحول، أوضح أن هذه التصريحات تعكس تزايد القناعة بأن الخطاب السياسي الأمريكي لم يعد مجرد وسيلة لنقل رسائل استراتيجية، بل أصبح في حد ذاته عاملا داخل معادلة السوق”، لافتا إلى أن “الأسواق لم تعد تسعّر الأحداث، بل تسعّر احتمالات صدور تصريحات مفاجئة قد تعيد تشكيل هذه الأحداث بشكل فوري”.


وتابع في السياق ذاته أن “ما يبدو ‘مزاجية’ في توصيفه الإعلامي، هو في حقيقته غياب للمرجعية المؤسسية الصلبة التي تضبط إيقاع القرار”، وهو ما يفسر، بحسبه، “الحساسية المفرطة في أسواق الطاقة تجاه أي إشارة صادرة عن البيت الأبيض”.


وخلص غنوم إلى أن “تصريحات فيتسو ولولا لا تعبر فقط عن انزعاج سياسي، بل عن قلق بنيوي من تآكل قابلية التنبؤ في النظام الدولي، وهو عنصر أساسي في استقرار الأسواق”، مضيفا أن “النفط أصبح مؤشرا ليس فقط على التوترات الجيوسياسية، بل على مستوى الثقة في انضباط القرار الأمريكي ذاته”.


ولم يغفل غنوم البعد الاقتصادي المباشر، إذ أوضح أن “تصريحات فيتسو تدل على أنّ هناك أزمة ما بين القرار السياسي والواقع الاقتصادي، وغالبا ما ينتصر الاقتصاد على السياسة، وبالتالي قد ترضخ واشنطن للضغوط الاقتصادية من وراء غلق المضيق”، معتبرا أن “المعركة أصبحت بين الديمقراطيين ودونالد ترامب، وسوف ينجحون في التأثير على شعبيته وقراره السياسي باستمرار الحرب نظرا لتأثيراتها الاقتصادية الكبيرة”.


منطق القوة يطغى على قواعد القانون الدولي


من جانبه، قدّم الدكتور محمد مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو عدد من الجمعيات القانونية الدولية، قراءة قانونية موسعة في تصريح لـ”الأيام نيوز”، حيث أكد أن “تصريحات رئيس الوزراء السلوفاكي، روبرت فيتسو، بأن أسعار النفط باتت تعتمد على مزاج ترامب وجودة نومه، وانتقادات لولا دا سيلفا اللاذعة بأنه ليس من حق ترامب أن يستيقظ صباحا ويهدد دولة ما، تعكسان حجم المخاوف العالمية من تحوّل القرار الدولي إلى رهينة لمزاجية فرد واحد ينتهك القانون الدولي علنا دون محاسبة”.


وأوضح أن “تصريح فيتسو في براتيسلافا بأن العالم يمر بأوقات عصيبة وأسعار النفط تحت ضغط تعتمد على مدى جودة نوم ترامب يكشف عن واقع مرير”، مشيرا إلى أن “أسعار النفط ارتفعت من 70 دولارا للبرميل قبل الحرب إلى أكثر من 126 دولارا حاليا”، مع الإشارة إلى توقعات ببلوغها مستويات أعلى.


وفي سياق تقييمه القانوني، شدد على أن “تهديد ترامب العلني، في 7 أفريل، بمحو الحضارة الإيرانية، وتصريحه الأخير لقناة فوكس نيوز، بأن البنية التحتية النفطية الإيرانية ستنفجر من الداخل خلال 3 أيام وأنها لن يُعاد بناؤها أبدا، يشكل انتهاكا صارخا لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر تدمير الممتلكات المدنية”، مضيفا أن “التهديد بمحو حضارة يرقى إلى التهديد بالإبادة الجماعية بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948”.


كما لفت إلى أن “انتقاد لولا دا سيلفا لترامب في مقابلته مع صحيفة إلباييس الإسبانية يعكس إدراك العالم لخطورة سياسة التهديدات العشوائية”، موضحا أن “ميثاق الأمم المتحدة في المادة 2 فقرة 4 يحظر صراحة التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد أي دولة”.


وفي تحليله للأبعاد الاقتصادية، أشار إلى أن “ربط أسعار النفط بمزاج شخص واحد بدلا من معطيات السوق والعرض والطلب يكشف عن فشل النظام الاقتصادي الدولي في حماية استقرار الأسواق”، مؤكدا أن “الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي بدأت في 28 فيفري 2026 دون تفويض من مجلس الأمن تسببت في أزمة طاقة عالمية تضر بجميع الدول وخاصة النامية منها”.


وأضاف أن “إغلاق إيران لمضيق هرمز، رغم عدم قانونيته، يأتي كرد فعل على عدوان أمريكي غير قانوني أصلا”، معتبرا أن “كلا الطرفين ينتهك القانون الدولي لكن المسؤولية الأكبر تقع على الطرف المعتدي”. كما أشار إلى أن “تصريحات ترامب المتناقضة تعكس عدم احترام للقانون والمنطق”، مستدلا بمواقفه المتباينة من أسعار الطاقة.


وختم مهران تصريحه بالتأكيد على أن “تصريحات فيتسو ولولا تعكس حجم الإحباط العالمي من غياب القانون الدولي وسيطرة منطق القوة والمزاجية على العلاقات الدولية”، داعيا إلى “التحرك الفو

ري لوقف الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز ومحاسبة ترامب تهديداته بالإبادة الجماعية أمام المحكمة الجنائية الدولية”، محذرا من أن “استمرار الإفلات من العقاب سيدمر ما تبقى من النظام القانوني الدولي”.





نظرية “الملك المجنون”


بدوره، ركز أحمد الديب، خبير الشؤون الدولية، في تصريحه لـ”الأيام نيوز”، على البعد السلوكي في السياسة الأمريكية، معتبرا أن “التصريحين اللذين صدرا عن رئيس الوزراء السلوفاكي، ورئيس البرازيل، يعكسان قلقا كبيرا بشأن مزاج الرئيس الأمريكي”، مشيرا إلى أنه “يتبع سياسة نظرية (الملك المجنون) (Mad King theory) التي تعتمد على فكرة أن القادة الذين يتصرفون بطريقة غير عقلانية أكثر قدرة على إجبار الخصوم أو تحقيق مكاسب في المفاوضات”.

وأضاف أن “هذه النظرية تحمل مخاطر كبيرة، لأنها قد تؤدي إلى تصعيد الصراع وتقويض الاستقرار العالمي”، لافتا إلى أن ذلك “يتضح جليا في الارتفاع الجنوني لأسعار الطاقة وغيرها من السلع”. وربط هذا الارتفاع بـ”الحرب غير المبررة التي شنها ترامب على إيران، والتي أدت بمرور الوقت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما كان له أثر سلبي واضح”.


وأشار إلى أن “القلق العالمي ازداد بعد تداول تصريحات بشأن عرض خطط عسكرية أمريكية جديدة على ترامب”، معتبرا أن ذلك “يدل على تأثير السياسة على الاقتصاد العالمي بشكل كبير”. كما شدد على أن ذلك “يدل على تأثير السياسة على الاقتصاد العالمي بشكل كبير”. كما شدد على أن “سياسة ‘أمريكا أولا’ لم تعد تراعي القوانين الدولية أو حتى مصالح الحلفاء”، مستشهدا بعدة مواقف تعكس، بحسبه، نمطا من السلوك الأحادي. وخلص إلى أن “سياسة الاستقرار تمثل دافعا للتنمية، فإن تقلّب المزاج السياسي سبب قوي لتراجعها، ما يؤثر على الدول والأفراد على حد سواء”.

من جهته، قدّم الباحث في الشأن السياسي برير الربيعي مقاربة تربط بشكل مباشر بين تحولات السياسة الدولية وسلوك أسواق الطاقة، حيث أوضح في تصريحه لـ”الأيام نيوز” أن “سعر النفط لم يعد محكوما فقط بمعادلات العرض والطلب، بل بات يتقاطع بشكل متزايد مع المزاج السياسي لصنّاع القرار، وعلى رأسهم ترامب”.


وأضاف أن “قرارات السياسة الأمريكية، خصوصا تلك المتعلقة بالطاقة والعقوبات والتجارة، أصبحت عاملا حاسما في تحديد مسار الأسعار”، مشيرا إلى أن “تغريدة واحدة أو تصريحا عابرا من ترامب قادر على إحداث تذبذب فوري في الأسواق”.


وتابع موضحا أن “ربط استقرار الأسعار بالحالة المزاجية للرئيس الأمريكي، رغم طابعه الساخر، يعكس حقيقة أعمق”، مفادها أن “سوق النفط لم يعد مجرد سوق للسلع، بل أصبح ساحة للصراع الجيوسياسي”. كما أشار إلى أن “العقوبات والضغوط على تحالفات مثل أوبك+ والتنافس مع روسيا والصين تجعل من القرار السياسي عاملا لا يقل أهمية عن الإنتاج والاستهلاك”.


وفي ختام تصريحه، أكد أن “النفط لم يعد يُسعَّر فقط في البورصات، بل أيضا في كواليس السياسة الدولية”، لافتا إلى أن “استقرار الأسعار بات مرهونا بتوازن دقيق بين المصالح الدولية”، وهو ما يفرض على الدول، خاصة المنتجة، “قراءة المشهد السياسي بنفس أهمية قراءة المؤشرات الاقتصادية”.

الرابط


https://elayem.news/%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%8a%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%a8%d9%8a%d8%b6-%d9%88%d8%b3%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%aa%d9%8f%d8%af%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9/


الثلاثاء، 5 مايو 2026

تعليق الباحث في الشأن الإسرائيلي أحمد الديب على جريدة "الأيام نيوز" الجزائرية بشأن طبيعة العلاقة التي تربط الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل

 

ترامب بين شعار “أمريكا أولا” والاصطفاف الثابت مع الكيان الصهيوني

في ظل التصعيد المتواصل في الشرق الأوسط، تتزايد التساؤلات داخل الولايات المتحدة حول طبيعة العلاقة التي تربط الرئيس دونالد ترامب والكيان الصهيوني، وحدود التأثير المتبادل بين الطرفين. ويبرز في هذا السياق نقاش يرى أن مواقف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تعكس انحيازا كاملا للسياسات التي يقودها بنيامين نتنياهو، إلى درجة تصويره كطرف يتبنى الخيارات الصهيونية دون تحفظ، وكأنه يؤدي دور “الابن المطيع” في إدارة هذا الملف المعقد.

هذا التصور يفتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة القرار السياسي الأمريكي، خاصة في ظل الانتقادات المتزايدة من شخصيات إعلامية وسياسية، من بينها تاكر كارلسون، التي ترى أن هذا الانخراط غير المشروط قد ينعكس سلبا على توازنات الداخل الأمريكي، ويضعف القدرة على صياغة سياسة خارجية مستقلة، في وقت تتصاعد فيه كلفة الحرب على إيران وتداعياتها الاقتصادية والاستراتيجية.

في تصريح لـ”الأيام نيوز”، قدم أحمد الديب، الخبير في الشؤون الأمريكية – الصهيونية، قراءة تحليلية لطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، متناولا حدود الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين، ومتى يمكن أن تتحول هذه العلاقة إلى نمط من التبعية السياسية.

وأوضح أحمد الديب أن العلاقات الأمريكية – الصهيونية تعد من أكثر العلاقات الدولية عمقا وترسخا، إذ تقوم بدرجة كبيرة على شراكة استراتيجية تخدم مصالح الطرفين معا. واستشهد في هذا السياق بما عبّر عنه الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، خلال خطابه أمام “الكنيست الإسرائيلي” عام 1979، حين أكد أن العلاقة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني “أكثر من مجرد علاقة خاصة”، بل هي علاقة فريدة ومتجذرة في وجدان ومعتقدات الشعب الأمريكي. وأضاف أن واشنطن تنظر إلى وجود الكيان الصهيوني في الشرق الأوسط باعتباره أداة لتعزيز نفوذها وهيمنتها في المنطقة، في حين يرى الكيان الصهيوني أن غياب الدعم الأمريكي سياسيا وعسكريا وماليا يمثل التهديد الأخطر لوجوده، وقد يؤدي إلى عزله دوليا والحد من قدرته على تحقيق طموحاته التوسعية.


وأشار أحمد الديب إلى أن مستوى التعاون بين البلدين استثنائي إلى درجة أن التقرّب من الولايات المتحدة غالبا ما يمر عبر بوابة الكيان الصهيوني. ومع ذلك، شدد على أن هناك تباينا في الرؤى بين واشنطن والكيان الصهيوني بشأن عدد من قضايا الشرق الأوسط، وهو تباين يعود إلى الفوارق البنيوية بين الطرفين من حيث القوة والتأثير الدولي والتعداد السكاني. وأوضح أحمد الديب أن الولايات المتحدة تأخذ في حساباتها مصالح قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا وأوروبا، ولا تنساق بشكل كامل خلف السياسات الإسرائيلية، خاصة في القرارات الحاسمة ذات الطابع العسكري.

وبيّن أحمد الديب أن تأثير الكيان الصهيوني في القرار الأمريكي يظل قائما، لكنه محكوم في نهاية المطاف بالمصلحة الأمريكية العليا. فعندما تتباين الحسابات، تفرض واشنطن رؤيتها بوضوح، وهو ما برز في عدد من المحطات، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر وتداعياتها. واستشهد بتصريحات للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أشار فيها إلى أن الكيان الصهيوني لن يشن هجمات جديدة على لبنان، موضحا أن الولايات المتحدة تدخلت لمنع ذلك، وهو ما يعكس وجود خطوط حمراء تفرضها واشنطن على حليفتها ولكن نتيجة معارضي سياسة ترامب أو ضغط الشارع الأمريكي.

وأضاف أحمد الديب أن الكيان الصهيوني يحاول دوما إظهار نفسه كدولة مستقلة في قراراتها، إلا أن الواقع يشير إلى تدخل أمريكي واسع في مختلف الملفات المرتبطة بها، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. ويتجلى ذلك في قضايا متعددة، من بينها إدارة الموقف من غزة، وصفقات التسليح، والتأثير في بعض جوانب السياسة الداخلية، فضلا عن أن مسارات التطبيع مع الدول العربية بتنسيق مع واشنطن. كما لفت إلى أن إسرائيل أعلنت في أكثر من مناسبة أن عملياتها العسكرية، بما فيها تلك الموجهة ضد إيران أو ما يُعرف بمحور المقاومة، تتم بالتنسيق مع الولايات المتحدة، إلى جانب وجود قواعد عسكرية أمريكية داخل “إسرائيل”.

وفيما يتعلق بتصريحات الإعلامي الأمريكي، تاكر كارلسون، أكد أحمد الديب أنها تعكس تحولا حقيقيا داخل التيار المحافظ في الولايات المتحدة، وليست مجرد خطاب إعلامي مثير للجدل. وأوضح أن هذا التيار بات يرى أن الدعم الأمريكي غير المشروط للكيان الصهيوني تحوّل من عنصر قوة إلى عبء استراتيجي يهدد الاستقرار الدولي، ويقوّض مصداقية القانون الدولي، خاصة في ظل ما يوصف بالانتهاكات المتكررة في قطاع غزة.

وأضاف أحمد الديب أن هناك اتجاها داخل الولايات المتحدة يعتبر أن رئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتنياهو، كان له دور في دفع الرئيس، دونالد ترامب، نحو تبني سياسات تصعيدية، بما في ذلك الانخراط في مواجهة مع إيران، رغم أن هذه الحرب لا تخدم المصالح الأمريكية المباشرة، ولا تنسجم مع شعار “أمريكا أولًا” الذي رفعه ترامب، والذي يقوم على تجنب الحروب الطويلة والمكلفة.

وأكد أحمد الديب أن النقاشات التي يثيرها كارلسون، وهو أحد أبرز الداعمين السابقين لترامب، تعكس حالة انقسام داخل التيار المحافظ، حيث وصفت بعض مواقفه بأنها خروج عن خط “ماغا” (Make America Great Again)، في مؤشر على تزايد التباينات داخل القاعدة السياسية المؤيدة للرئيس الأمريكي.

وأوضح أحمد الديب أن مؤشرات هذا التأثير بدأت بالفعل في الظهور. واستشهد بما نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” حول استعداد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لإطلاق محادثات لإعادة هيكلة العلاقات الثنائية، بما في ذلك بحث تقليص المساعدات العسكرية الأمريكية تدريجيا، مقابل التحوّل نحو تمويل قائمة على مشاريع مشتركة في المجالات العسكرية والتكنولوجية المتقدمة.

واعتبر أحمد الديب أن هذه التطورات تعكس بداية مراجعة داخلية في الولايات المتحدة لطبيعة العلاقة مع الكيان الصهيوني، خاصة في ظل التساؤلات المتزايدة حول كلفة دعمها في ظل صراعات إقليمية مفتوحة. كما أشار إلى تراجع ملحوظ في مستوى الدعم الشعبي لإسرائيل داخل المجتمع الأمريكي، لا سيما بين فئة الشباب، الذين باتوا أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية، خصوصًا فيما يتعلق بالانتهاكات بحق المدنيين.

وأضاف أحمد الديب أن استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت تدهور صورة الكيان الصهيوني لدى شريحة واسعة من الأمريكيين، حيث بات نحو 60% منهم يحملون نظرة سلبية تجاهها، مع تزايد التعاطف مع الفلسطينيين، خاصة بين الفئة العمرية من 18 إلى 34 عامًا، وهو ما يمثل تحولا لافتا في المزاج العام الأمريكي، وقد تكون له تداعيات مستقبلية على طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب.

ويرى الديب أن دونالد ترامب، رغم شعاراته الصاخبة عن “أمريكا أولا”، يتصرف عمليا داخل حدود الالتزام الكامل بالسياسة الأمريكية التقليدية تجاه الكيان الصهيوني، حتى بدا كأنه لا يملك هامش قرار مستقل بقدر ما يتحرك ضمن مسار مرسوم سلفا. ويضيف أن المفارقة تكمن في أن خطاب “الاستقلالية” يتبدد كلما تعلق الأمر بتل أبيب، حيث تتحول الوعود بالانفكاك من الحروب إلى اصطفاف واضح مع أولويات حليف خارجي، ما يجعل صورته أقرب إلى رئيس يردد الشعارات أكثر مما يعيد تعريفها.

 

 الرابط على جريدة "الأيام نيوز" الجزائرية

https://elayem.news/5mf4e

الخميس، 30 أبريل 2026

تعليق الباحث أحمد الديب حول الممرات التجارية الجديدة.. خرائط تُرسم بالنفوذ وتُسقطها حقائق الميدان

 يشهد مشروع الممرات التجارية، الذي طُرح في 15 سبتمبر 2020، تحولات عميقة تكشف عن طبيعته الجيوسياسية أكثر من كونه مشروعا اقتصاديا يفيد شعوب المنطقة. فقد رُوّج لهذا المسار، الذي كان يربط الهند بأوروبا عبر الإمارات وميناء حيفا، باعتباره أداة لإعادة رسم خريطة التجارة العالمية وتعزيز التكامل الاقتصادي، غير أن التطورات الإقليمية المتسارعة أظهرت محدودية هذا الطرح.


فمع تصاعد التوترات في المنطقة، خاصة ما يرتبط بالحرب على إيران وتأثيرها على الملاحة في مضيق هرمز، برزت هشاشة هذا المشروع الذي بدا قائما في جوهره على ترتيبات سياسية وأمنية لصالح الكيان الصهيوني.


وفي هذا الإطار، تتجه ملامح ممرات بديلة تمر عبر السعودية وقطر وصولا إلى الأردن وسوريا، مع تعدد نقاط العبور والانفتاح على خيارات أكثر تنوعا. في المقابل، تراجع الدور الذي كان يعوّل عليه للإمارات كمركز عبور رئيسي، في ظل تعثر الملاحة في الخليج.


وما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في كونه إعادة ترتيب لوجستي فحسب، بل يمثل تغيّرا في موازين السيطرة على التجارة، إذ تؤكد الوقائع أن المشاريع التي تُبنى على الهيمنة أو الضغوط السياسية تظل أكثر عرضة للتفكك، في مقابل تلك التي تقوم على التوافق الإقليمي والتكامل الحقيقي بين الدول.


وفي هذا السياق، يصرح أحمد الديب، الخبير في الشؤون الدولية والصهيونية، لـ”الأيام نيوز”، بأن هذه الحرب شكلت الشرارة التي سعى من خلالها الكيان الصهيوني إلى جني مكاسب استراتيجية وإعادة تشكيل ملامح الشرق الأوسط، وهو ما عبّر عنه المجرم بنيامين نتنياهو في أكثر من مناسبة. ويشمل ذلك، وفق هذا الطرح، الدفع نحو تهجير سكان غزة إلى سيناء في مصر، وتعظيم الاستفادة من رأس المال الخليجي، إلى جانب توظيف النفوذ الإماراتي المتنامي في عدد من الساحات مثل اليمن والسودان، فضلًا عن السعي إلى تحويل ميناء حيفا إلى بوابة رئيسية نحو أوروبا بديلا عن قناة السويس، بما قد ينعكس سلبا على الدور الاقتصادي المصري.


ويضيف أحمد الديب أن استهداف مراكز السفن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب زاد من قلق شركات الشحن العالمية، ودفع العديد منها إلى تغيير مساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات وارتفاع تكاليف النقل. وفي هذا السياق، يبرز البعد اللوجستي للمقارنة بين النقل البحري والبري، إذ إن السفن التي تنطلق من الإمارات نحو ميناء حيفا تستغرق قرابة أسبوعين، في حين يمكن تقليص هذه المدة إلى نحو أربعة أيام عبر النقل البري باستخدام الشاحنات، ما يعزز من جدوى تفعيل الممرات البرية لتقليل التكاليف وتسريع حركة البضائع.


كما يشير أحمد الديب إلى أن الحرب الأمريكية – الصهيونية على إيران، وما رافقها من إغلاق مضيق هرمز، شكلت عاملا حاسما في الدفع نحو إنشاء مسارات بديلة تقلل الاعتماد على النقل البحري في الخليج العربي. وفي هذا الإطار، أعلن الكيان الصهيوني أنه يدرس، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، إقامة أنبوب نفطي عابر للقارات لنقل الطاقة برا، في موازاة مشروع “سكة السلام” (IMEC)، الذي يهدف إلى تحويله إلى مركز محوري لنقل النفط نحو أوروبا.


ويطرح الديب تساؤلا حول مدى إمكانية تبرير مشروع ممرات تجارية يقدم على أنه نموذج للتكامل الاقتصادي، في حين أنه يستند في جوهره إلى اصطفافات سياسية وصراعات إقليمية مفتوحة. ويؤكد أن التنافس الأمريكي – الصيني يمثل إحدى أبرز الخلفيات التي تحرك هذه المشاريع، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص النفوذ الصيني عالميا. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار مشروع الممرات، خاصة مبادرة الطريق بين الهند ودبي وحيفا، محاولة لمواجهة مبادرة الحزام والطريق التي انضمت إليها أكثر من 150 دولة.


ويوضح أحمد الديب أن الفارق الجوهري بين المبادرتين يكمن في طبيعة التأسيس؛ فمبادرة الحزام والطريق تقوم على ربط اقتصادي واسع عبر بنى تحتية تشمل الموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية الممتدة نحو أوروبا، بينما جاء مشروع الهند – دبي – حيفا محكوما باعتبارات سياسية انتقائية، حيث تم تجاوز دول مثل باكستان والصين مراعاة للهند، وتجاوز إيران وتركيا مراعاة للكيان الصهيوني، وهو ما يجعله أقرب إلى اصطفاف سياسي منه إلى تكامل اقتصادي حقيقي.


ويشير أحمد الديب إلى أن الكيان الصهيوني، منذ تصاعد الأحداث في غزة وتداعياتها الإقليمية، يحاول تدويل قضية أمن الممرات البحرية، عبر تصويرها كأزمة عالمية لا تمسه وحده، بل تؤثر على الاقتصاد الدولي ككل، مقدّما نفسه كطرف يواجه ما يصفه بـ”تعطيل الإمدادات”. ومع تعثر محاولاته في استقطاب دعم عسكري واسع، يتجه نحو تقديم مشاريع الممرات البديلة كحلول اقتصادية، بما يمنحه دور “المنقذ” في استقرار التجارة العالمية.


وفيما يتعلق بالرهانات على تحويل الإمارات وميناء حيفا إلى مركزين رئيسيين في التجارة الدولية، يرى الديب أنها قامت على مزيج من الحسابات الاقتصادية والأمنية والسياسية. غير أن المقاربة الإماراتية، بحسب تحليله، تركز أساسا على البعد الاقتصادي والاستثماري، إضافة إلى الرغبة في تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل تداعيات الحرب في اليمن. في المقابل، ينظر الكيان الصهيوني إلى هذه المشاريع من زاوية أمنية وسياسية أوسع، يسعى من خلالها إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وتعزيز موقعه كقوة مركزية قادرة على التأثير في مسارات المنطقة.


ويؤكد أن المشاريع الكبرى التي تبنى خارج إطار التوافق الإقليمي الشامل تظل عرضة للاهتزاز، خاصة عندما تتحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح. فهذه التحركات الاقتصادية، وإن بدت في ظاهرها تنموية، لا تختلف كثيرًا عن التحركات العسكرية من حيث التأثير، إذ يمكن أن تلحق ضررا بدول عدة، من بينها مصر التي تعتمد بشكل كبير على قناة السويس كمصدر حيوي للدخل. كما يشير إلى مشروع طرحه الرئيس دونالد ترامب يتعلق بتهجير سكان غزة وتحويل القطاع إلى ما سُمّي “ريفيرا الشرق الأوسط”، وهو مشروع قوبل برفض واسع، خاصة من الجانب المصري، لما يحمله من تداعيات خطيرة قد تدفع المنطقة نحو صراع إقليمي أوسع.


ويطرح الديب في ختام تصريحه، سؤالا حول ما إذا كانت هذه التطورات تعكس فعلا قدرة الكيان الصهيوني والإمارات على إعادة هندسة خرائط الاقتصاد الإقليمي عبر نماذج بديلة، أم أنها تكشف في النهاية حدود هذه الطموحات أمام حقيقة أكثر صلابة: أن الجغرافيا السياسية لا تروّض بالشعارات ولا تستبدل بالمشاريع الورقية.


ويرى أن هذه المشاريع، حتى في أفضل ظروفها، لا تتجاوز كونها ترتيبات مكملة للممرات التقليدية التي حكمت التجارة العالمية لعقود، لا بدائل قادرة على إزاحتها. غير أن التصعيد المتواصل في المنطقة، من اضطراب الملاحة في البحر الأحمر إلى احتمالات إغلاق مضيق هرمز، دفع هذه الأطراف إلى التعويل على مسارات بديلة تبدو أقرب إلى حلول اضطرارية منها إلى هندسة استراتيجية مستقرة.


ومع ذلك، تبقى هذه البدائل محدودة الفعالية أمام ثقل الواقع، إذ إن مضيق هرمز وحده يمر عبره ما بين 20% و25% من إمدادات النفط والغاز العالمية المنقولة بحرا، أي نحو 20 إلى 23 مليون برميل يوميا، وهو رقم لا يمكن تجاوزه بخطوط التفافية أو مشاريع موازية مهما جرى تسويقها سياسيا أو إعلاميا.


ويضيف أن محاولات تعويض أي اختلال عبر خطوط أنابيب بديلة، مثل “سوميد” في مصر، وكركوك – بانياس في العراق، وحبشان – الفجيرة في الإمارات، و”بترولاين” في السعودية، تكشف في جوهرها حدود هذه الرهانات؛ فهي مسارات مساعدة لا ترتقي إلى مستوى استبدال الممرات البحرية الحيوية، بقدر ما تعكس محاولة إدارة المخاطر أكثر من إعادة تشكيل قواعد اللعبة.

الرابط

https://elayem.news/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%85%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ac%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d8%b7-%d8%aa%d9%8f%d8%b1%d8%b3%d9%85/

تعليق الباحث أحمد الديب على جريدة الأيام نيوز الجزائرية بشأن التحالف الأمريكي - الغربي في ظل الحرب على ‎إيران

. 



في هذا السياق، يبرز تحليل أحمد الديب، الباحث في العلاقات الدولية وخبير الشؤون الصهيونية، في تصريح لـ الأيام نيوز، الذي يضع السلوك السياسي الأمريكي في قلب هذه الأزمة، مشيرا إلى بروز "ظاهرة فريدة من نوعها وهي لغة الخطاب السياسي "العدائية" التي يتبناها الرئيس الأمريكي ترامب"، وهي لغة تتجاوز حدود الخصومة التقليدية لتطال الحلفاء أنفسهم، بما يعكس خللا في قواعد الاشتغال الدبلوماسي داخل المنظومة ُ الغربية. هذا التحول في الخطاب لا يقرأ كمسألة أسلوبية ّ فحسب، بل كدليل على تصدع أعمق في بنية التحالفات، خاصة عندما يمتد إلى شخصيات ومؤسسات يفترض أنها خارج دائرة الاستهداف المباشر، في إشارة إلى سخرية طالت قيادات أوروبية ودينية، ما يكشف عن مستوى غير مسبوق من التوتر داخل الفضاء الغربي.

ويمتد هذا التباين، وفق القراءة ذاتها، إلى مستوى السياسات العملية، حيث أظهرت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران اختلافا واضحا في تقدير المواقف بين واشنطن وحلفائها في "الناتو". فبينما اندفعت الولايات المتحدة نحو خيار المواجهة، بدا الحلف أكثر ميلا إلى "الطرق السلمية والدبلوماسية"، مدفوعا بحسابات تتعلق بتفادي التصعيد الإقليمي وحماية المصالح الاقتصادية، خاصة في ظل حساسية ممرات الطاقة العالمية. هذا التباين لا يعكس فقط اختلافا في التكتيك، بل يكشف عن فجوة في تعريف الأولويات الاستراتيجية، حيث تتجنب الدول الأوروبية الانخراط في صراعات قد تتجاوز كلفتها مكاسبها.

ويعزز هذا الاتجاه إدراك أوروبي لطبيعة القرار الأمريكي ُ المتقلب، إذ ينظر إلى إمكانية "تركهم في منتصف معركة ّ غير محسومة" كعامل يحد من الثقة في القيادة الأمريكية، ويدفع نحو إعادة التفكير في درجة الاعتماد عليها. كما أن امتناع عدد من الدول الأوروبية عن فتح مجالها الجوي أمام العمليات العسكرية شكّل مؤشرا إضافيا على تراجع الانصياع التقليدي، بما أضعف، في نظر هذا الطرح، شرعية التحرك الأمريكي دوليا.

انطلاقا من هذه المعطيات، تتجه قراءة الديب إلى ترجيح سيناريو "الاستقلال التدريجي عن الولايات المتحدة"، بما يحمله من دلالات على بداية تآكل مركزية واشنطن داخل المنظومة الغربية. غير أن هذا المسار لا يعني، في تقديره، انهيار الهيمنة الأمريكية في المدى المنظور، إذ "لا تزال على عرش الهيمنة والسيطرة لأنها الأقوى عسكريا وسياسيا"، في ظل غياب بديل دولي قادر على ملء هذا الفراغ. كما أن القوى الصاعدة، رغم استفادتها من التصدعات، لا تبدو في موقع يسمح لها بصياغة نظام بديل أو فرض معادلة قيادة جديدة

الرابط

https://elayem.news/%D8%B9%D8%AF%D8%AF-5757/?fbclid=IwY2xjawRfXvlleHRuA2FlbQIxMABicmlkETFWYzU1amhERjJjY1dMMjhjc3J0YwZhcHBfaWQQMjIyMDM5MTc4ODIwMDg5MgABHuqoKjKxdVwts5hl90dMSsA__7igjKSAsSbZj8aGg29XUvv0v9dS0w4Sp119_aem_lHg5v_zzZiiU7I9V8K00ig

الثلاثاء، 21 أبريل 2026

تصريح الباحث أحمد الديب على جريدة الأيام نيوز الجزائرية بشأن غياب إسرائيل في المفاوضات بين واشنطن وإيران

 

خطاب أمريكي جديد تجاه طهران.. تغييب الكيان الصهيوني يثير التساؤلات


في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، تبدو اللغة السياسية أكثر انتقائية وحذرة مما كانت عليه في مراحل سابقة، حيث لم يعد الخطاب الأمريكي موجها بالحدة ذاتها تجاه إيران فقط، بل أصبح محكوما بحسابات دقيقة تتجاوز الشعارات إلى إدارة التوازنات.

وفي هذا السياق، يلفت الانتباه إلى تراجع حضور الكيان الصهيوني في تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الموجهة إلى إيران، رغم كونها طرفا محوريا في معادلة الحرب، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا الغياب: هل هو تكتيك تفاوضي لتفادي استفزاز طهران، أم محاولة لإعادة صياغة الخطاب بما يخدم مسارا تفاوضيا أكثر براغماتية؟

يصرح الباحث في الشأن الصهيوني، أحمد الديب، لـ”الأيام نيوز”، بأنه في البداية لا بد من التأكيد على أن العلاقات الأمريكية – الصهيونية ما تزال متينة للغاية، وهو ما أكده دونالد ترامب نفسه في أكثر من مناسبة. غير أن هذه المتانة لا تعني تطابقا في المقاربات، إذ تبدو الرؤية الأمريكية مختلفة عن نظيرتها الصهيونية؛ فواشنطن تدرك أن القضاء على إيران وفق التصور الصهيوني قد يفضي إلى نتائج عكسية، قد تمسّ استقرارها ومصالحها، بل وربما تهدد توازن النظام الدولي، خاصة في حال صعود قوى أكثر تشددا إلى السلطة. ومن هذا المنطلق، تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق أهدافها دون الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة، بل تمارس ضغوطا على الكيان الصهيوني للقبول بترتيبات تهدئة في بعض المحطات.

وفي هذا السياق، يشار إلى أن الولايات المتحدة نفذت بالفعل ضربات ضد جماعة الحوثيين في اليمن، قبل أن تتجه لاحقا إلى عقد هدنة معهم دون إشراك الكيان الصهيوني أو حتى التطرق إلى دورها في هذا المسار. وقد فُسّر هذا التوجه حينها على أنه محاولة أمريكية للفصل بين مسارات التهدئة، بما يتيح للكيان الصهيوني هامش حركة أوسع لمواصلة استهداف الحوثيين بعيدا عن القيود السياسية للهدنة.

وانطلاقا من ذلك، يرجح أن الولايات المتحدة قد تسعى إلى الخروج من مشهد التهدئة مع إيران دون إدخال الكيان الصهيوني كطرف مباشر فيه، بما يمنحها لاحقا حرية أكبر في التعامل مع طهران وفق حساباتها الخاصة، بعيدا عن التزامات أي اتفاق قد يقيد تحركاتها.

في المقابل، يشير أحمد الديب إلى وجود حالة من الاستياء الواضح داخل الأوساط السياسية الصهيونية، نتيجة ما يُنظر إليه كفرض أمريكي لسياسات التهدئة، وما يرافقه من التزام صهيوني بها. كما ينظر الكيان الصهيوني إلى ترامب باعتباره ميّالا إلى إنهاء الحروب بسرعة، ويفتقر إلى النفس الطويل في إدارة الصراعات الممتدة.

ويعتبر الكيان الصهيوني أن مثل هذه التهدئات تمنح خصومها فرصة لإعادة ترتيب الصفوف، والتقاط الأنفاس، وإعادة التموضع، فضلا عن تعزيز قدراتهم العسكرية، وهو ما يجعلها تميل إلى خيار الاستمرار في المواجهة حتى تحقيق أهدافها بعيدة المدى.

ويؤكد أحمد الديب هذا الطرح أن ترامب يسعى إلى إبرام اتفاق مع إيران، بينما يقف المجرم بنيامين نتنياهو في موقع مغاير، إذ يميل إلى إفشال أي مسار تفاوضي، ويفضّل استمرار الحرب لتحقيق أهداف استراتيجية أوسع، تشمل إسقاط النظام الإيراني، وتفكيك ما يعرف بمحور المقاومة، وتقويض القدرات الصاروخية، إلى جانب إنهاء برنامج تخصيب اليورانيوم. كما يُحتمل أن يكون ترامب معنياً بإبرام هدنة تتيح له الخروج من المشهد بمظهر المنتصر، في حين يواصل نتنياهو معركة يبدو أنه لا يرغب في إنهائها، بل يسعى إلى إطالة أمدها لتحقيق أهدافه.

(21- أبريل- 2026)

https://elayem.news/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87-%D8%B7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%8A/

الخميس، 9 أبريل 2026

تصريح الباحث أحمد الديب على موقع "الحل نت" بشأن الحوثيون في المشهد الإقليمي واستهدافهم إسرائيل

 

وفي قراءة للموقف الإسرائيلي، قال الباحث في الشأن الإسرائيلي أحمد الديب لـ”الحل نت”، إن تل أبيب تتعامل مع هجمات “الحوثيين” حتى الآن باعتبارها “محدودة التأثير”، وترى أنها تأتي في سياق محاولة إيرانية لتحسين شروط التفاوض، أكثر من كونها تصعيداً عسكرياً مستقلاً.
وأوضح الديب أن إسرائيل لم تبادر بالرد المباشر، لأن جماعة “الحوثي” – وفق تقديراتها – “تتجنب الانخراط الواسع خشية تلقي ضربات مكلفة قد تؤثر على تماسكها داخلياً”، مشيراً إلى أن أي تحرك عسكري إسرائيلي سيبقى مرهوناً بطبيعة الهجمات وتداعياتها، خاصة في حال استهدفت منشآت حيوية، أو تسببت بخسائر بشرية.
وأضاف أن البعد الجغرافي لليمن، وارتفاع كلفة العمليات العسكرية، يمثلان عاملين إضافيين في حسابات التريث، إلى جانب انشغال إسرائيل بجبهات أكثر حساسية، وفي مقدمتها إيران ولبنان.
ورغم ذلك، يرى الديب أن المواجهة بين الطرفين مرشحة للاستمرار، في ظل إعلان “الحوثيين” استعدادهم للانخراط في أي مواجهة إقليمية ضد إسرائيل، ما يجعلهم طرفاً حاضراً في أي تصعيد محتمل.
ولفت إلى أن إسرائيل قد تتجه لاستهداف جماعة “الحوثي” في حال توسع دورها الميداني.
وختم بالقول إن تل أبيب لا تنظر إلى “الحوثيين” كخطر وجودي، لكنها تتعامل معهم كتهديد للأمن القومي، مشيراً إلى أن أحد أبرز الدروس التي استخلصتها بعد هجمات السابع من أكتوبر، يتمثل في ضرورة احتواء مصادر التهديد قبل أن تتفاقم، مع تركيز خاص على إضعاف إيران، باعتبارها الداعم الرئيسي لهذه الجماعات.


( الخميس, 9 أبريل 2026)

الرابط:

https://7al.net/2026/04/09/%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%af%d9%82%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%b7%d8%a7%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d8%a7%d9%88%d8%b6-%d9%87%d9%84-%d8%aa%d9%86%d8%ac%d8%ad-%d8%ae/osamaa/%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%85%d9%86/

السبت، 28 مارس 2026

ما الذي أخّر انضمام الحوثيين إلى إسناد إيران: اعتبارات داخلية أم حسابات استراتيجية؟

اليمن في الصحافة ومراكز الأبحاث الإسرائيلية

ما الذي أخّر انضمام الحوثيين إلى إسناد إيران: اعتبارات داخلية أم حسابات استراتيجية؟

 

تنويه: يتضمن هذا التقرير مقتطفات مترجمة ومنتقاة من مواد وتحليلات منشورة في وسائل إعلام ومراكز أبحاث إسرائيلية حول اليمن، وقد حُرِّر بما يراعي وضوح العرض والاختصار. ولا تعكس الآراء الواردة فيه مواقف مركز صنعاء للدراسات، كما لا يتحمل المركز مسؤولية دقة المعلومات والبيانات المنشورة في المصادر الأصلية.

 

حتى وقت قريب، كان السؤال الأبرز في إسرائيل بشأن اليمن يدور حول الأسباب التي أخّرت دخول جماعة الحوثيين في الحرب وتقديم إسناد مباشر لإيران، رغم مرور نحو شهر على اندلاعها. لكن هذا السؤال اكتسب بُعدا جديدا بعد إعلان الجماعة، اليوم السبت، تنفيذ أول هجوم لها على إسرائيل في سياق الحرب الجارية، باستخدام صواريخ باليستية استهدفت ما قالت إنها "أهداف عسكرية حساسة" في جنوب إسرائيل، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض المقذوف.

وكانت التحليلات الإسرائيلية السابقة قد أرجعت هذا التأخر إلى جملة من العوامل، أبرزها حالة الردع والإعياء الناتجة عن الاستنزاف العسكري، والخشية من تعرض الجماعة لضربات أمريكية وإسرائيلية مباشرة، فضلا عن احتمال وجود تنسيق استراتيجي مع طهران يقضي بتأخير الانخراط إلى مرحلة لاحقة. كما رأت بعض التقديرات أن الحوثيين لا يتصرفون بوصفهم وكلاء بالمعنى التقليدي، بل كفاعل يسعى إلى الموازنة بين شراكته الأيديولوجية والعسكرية مع إيران وبين حساباته الخاصة في اليمن والمنطقة.

وفي هذا السياق، يستعرض التقرير كيف فسرت الصحافة العبرية ومراكز الأبحاث الإسرائيلية دوافع هذا التريث قبل الهجوم المعلن اليوم، وما إذا كان يعكس اعتبارات داخلية، أم توقيتا استراتيجيا مؤجلا، أم مزيجا من الأمرين.

ويترجم مركز صنعاء للدراسات مواد كاملة أو مقتطفات لأبرز ما أوردته الصحافة العبرية والمراكز البحثية المعنية بالشؤون الإسرائيلية وعلاقتها بالمنطقة، كجزء من سلسلة ترجمات وإصدارات ينتجها المركز في سياق اهتماماته والمقاربات الإقليمية التي يقدمها.

 

لماذا لا ينخرط الحوثيون في الحرب إلى جانب إيران؟

قال أور هوروفيتس، على موقع والا العبري، في 22 مارس 2026، إن دوائر التقدير في إسرائيل والولايات المتحدة تبدي حيرة إزاء عدم انخراط الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران. لعل الاحتمال الأرجح، من المنظور الإسرائيلي، هو أن الحوثيين واقعون تحت وطأة الردع والإعياء من الانخراط المباشر في هذه الحملة، ولاسيما بعد استنفاد جزء كبير من قدراتهم العسكرية في السنوات الأخيرة، وتعرضهم لسلسلة من الضربات التي شنتها إسرائيل. في الخلفية، قد يكمن تصور مفاده أن استخدام الحوثيين للقوة لن يخدم الجهد الإيراني كثيرًا، بل سيُكلفهم ثمنًا باهظًا في وقت يسعون فيه لإعادة بناء قوتهم تحسبا للمعركة القادمة.

كما أن قرار عدم الانخراط قد يعكس استقلالية الحوثيين في اتخاذ القرار، وإصرارهم على عدم التصرف بموجب الإملاءات الإيرانية. يتعاون الحوثيون استراتيجيا مع إيران، لكنهم لا ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم تابعين لها، عسكريًا أو دينيًا، بخلاف حزب الله. علاوة على ذلك، فإن للزعيم الحوثي تطلعاته الخاصة ورؤيته الإقليمية التي يتبوأ فيها موقعا قياديا محوريا ضمن منظومة "المحور"، وهي ليست بالضرورة خاضعة لإيران.

قد يكون قرار عدم التحرك، حتى الآن، إشارة لإيران والمنطقة برمتها، بأن الحوثيين لديهم موقفهم الخاص وأفكارهم المستقلة، حتى مع رفقاء الدرب. كما قد يعكس هذا الموقف فهما رصينا بأن أفول نجم إيران بات وشيكا، وهو ما قد يدفعهم إلى الحفاظ على قوتهم تحسبا لاحتمال تصاعد دورهم القيادي داخل ما يسمى بـ"المحور الشيعي".

كان الحوثيون قد ربطوا مصيرهم بالحملة الدائرة في غزة، ومن المحتمل أنهم يسعون للحفاظ على إحدى أدوات الردع القليلة المتبقية التي تحول دون تجدد القتال هناك. وفقا لهذا الاحتمال، فإن الانخراط في حرب مع إيران قد يصرف انتباه الحوثيين عما يُعد أولوية من وجهة نظرهم: وهو قيادة النضال الإقليمي للذود عن "فلسطين".

وأضاف هوروفيتس أن ثمة احتمال آخر يثير قلق الاستخبارات الإسرائيلية، وهو ترقب الحوثيين للحظة المواتية لمباغتة إسرائيل بعملية استراتيجية نوعية؛ تتمثل في شن وابل كثيف من الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، أو شن عملية برية أو بحرية واسعة، وهو السيناريو الأكثر خطورة.

وكان زعيم الحوثيين قد صرّح سابقا بأن الشعب اليمني مستعد لـ"التحرك بمئات الآلاف نحو فلسطين وخوض معركة الجهاد المقدس ضد العدو الصهيوني". يُضاف إلى ذلك تقارير سابقة أشارت إلى تدريبات حوثية استعدادا لهجوم بري أو بحري ضد إسرائيل؛ مما يعزز التقدير السائد في إسرائيل بأن هذا الاحتمال غير مستبعد، رغم المسافة الشاسعة والقيود العملياتية الكثيرة.

انطلاقا من الدروس المستفادة من إخفاقات "السابع من أكتوبر"، يستعد الجيش الإسرائيلي حاليا لهذا السيناريو، وينفذ سلسلة من الجهود الاستخباراتية وجمع المعلومات والتدابير العملياتية للتصدي له. وتقدّر إسرائيل، أو تأمل، أن يواجه الحوثيون هذه المرة جيشا أكثر جاهزية مقارنة بما كان عليه أثناء مواجهة حركة حماس.

في الحالتين، فإن الحوثيين باقون في المشهد، ومن المتوقع أن يظلوا تحديا رئيسيا للاستقرار الإقليمي والعالمي، بصرف النظر عن مسار تطور الحملة العسكرية على إيران وحزب الله؛ إذ ستستمر، وفق هذا التقدير، عوامل مثل التطرف الديني، والنزعة الإقليمية التوسعية، والقدرة النسبية على مقاومة الضغوط الخارجية، والخطاب العدائي تجاه إسرائيل واليهود، في تشكيل السياسة الحوثية؛ مما يجعلهم أحد أكثر الفاعلين الذين واجهتهم إسرائيل تعقيدا ومراوغة في السنوات الأخيرة.

 

تقديرات أمنية: الحوثيون قد ينضمون إلى الحملة في الأيام المقبلة

قال الصحفي الإسرائيلي روعي كايس إن مصادر أمنية في المنطقة قالت لموقع هيئة البث العام الإسرائيلية "كان"، في 21 مارس 2026، إن الضغوط التي تمارسها إيران وحزب الله على جماعة الحوثيين في اليمن للانضمام إلى الحملة تتزايد، ولا يستبعد مشاركتهم في الأيام المقبلة، تزامنا مع انتهاء عطلة عيد الفطر.

على صعيد التصريحات، يواصل الحوثيون تأكيد دعمهم لإيران، وأنهم سينضمون إلى الحملة متى اقتضت التطورات ذلك، كما ذكرت مصادر من صفوف القوى المناهضة للحوثيين في اليمن لموقع "كان" أن الحوثيين قد عززوا قواتهم مؤخرا في محيط مدينة الحديدة الساحلية، مما قد يشير إلى استعدادهم للانضمام إلى الحملة قريبا.

وأبلغ مسؤول عسكري إيراني وسائل إعلام محلية باحتمال انضمام الحوثيين إلى الحملة في الساحة البحرية، عبر إغلاق مضيق باب المندب في البحر الأحمر، إذا شنت الولايات المتحدة هجوما بريا على إيران.

 

ازدواجية الخطاب الحوثي بشأن إيران: لماذا قد تعني كلمة "مستعد" أنه غير جاهز؟

قال أري هيستين، على موقع يديعوت أحرونوت، في 17 مارس 2026، إن الحوثيين قضوا أعواما لإبراز أنفسهم بصفتهم الشريك الأوثق لإيران ضمن ما يُعرف بـ "محور المقاومة". مع ذلك، لم يتخذ الحوثيون أي إجراء في الوقت الذي تضعف فيه القوات الأمريكية والإسرائيلية، بأسلوب منهجي، قدرات إيران العسكرية وبرنامجها النووي وأجهزتها القمعية.

وذكر هيستين أنه أشار سلفا إلى أن هذا التقاعس يعكس عوامل هيكلية، منها استقلالية الجماعة عن طهران، ومخاوفها من التداعيات المالية التي تتمخض عن خوض حرب أخرى، ولكن بعيدا عن تلك الاعتبارات الهيكلية، تتيح الرسائل الإعلامية الصادرة عن جماعة الحوثيين نافذة إضافية لفهم نواياها الحقيقية.

أشار هيستين أيضا إلى أن الرسائل الإعلامية، على مدى العام الماضي، ولا سيما أثناء جولتي الضربات الأمريكية-الإسرائيلية التي استهدفت إيران، خضعت لرقابة وضبط أكثر صرامة. ومن المرجح أن هذا التحول يعكس دافعين أساسيين: الرغبة في إضفاء طابع "الاحترافية" على أداء الجماعة عبر تقديم رسالة إعلامية موحدة، والحاجة إلى درء أي تصعيد غير ضروري قد ينجم عن "إفشاء معلومات" من أتباعهم مفرطي الحماسة.

 

معضلة الحوثيين: بين الولاء والطموح

أرجع موقع Jewish News Syndicate، في 11 مارس 2026، السبب وراء إحجام الحوثيين عن توجيه ضربات إلى إسرائيل، إلى عاملين أساسيين: الأول هو الانقسام في صفوف عناصر "الحرس الثوري الإيراني" في اليمن بشأن ما إذا كان ينبغي للحوثيين التدخل في الصراع؛ والثاني هو مصلحة الحوثيين الذاتية في ترسيخ سلطتهم وتعزيز نفوذهم داخليا، لا سيما بعد الانهيار الفعلي للتحالف الذي كان يقاتلهم سابقا، بقيادة السعودية والإمارات.

في الداخل اليمني، تشير التقارير الواردة عن المحللين والمراقبين الإقليميين إلى أن العناصر المرتبطة بـ "الحرس الثوري الإيراني" لا تتشارك الرأي نفسه بشأن الطريقة التي ينبغي للحوثيين أن يردوا بها: يرى بعضهم ضرورة التصعيد الفوري دعما لإيران، وإثبات أن ما يُسمى بـ "محور المقاومة" لا يزال موحدا؛ بينما يعتقد آخرون أن التحلي بضبط النفس يُعد خيارا أكثر حكمة من المنظور الاستراتيجي.

تعتمد حجة هؤلاء على منطق بسيط: إذا واجهت إيران نفسها ضغوطا داخلية أو خارجية شديدة، أو حتى خطر الانهيار، حينها يكون اليمن آخر قاعدة عملياتية صامدة لـ "محور المقاومة". لذا، فإن الحفاظ على قدرات الحوثيين العسكرية اليوم قد يكون أكثر قيمة من استنزافها في مواجهة سابقة لأوانها.

في الوقت الراهن، لا يزال الغموض يُخيِّم على المشهد. من يتابع شؤون الحوثيين عن كثب يقرّ بأن الحركة تتعرض لضغوط متزايدة لاتخاذ خطوات للتحرك عسكريا.

أشار الموقع إلى أن الغرض الأساسي من هجمات الحوثيين على إسرائيل، إبان فترة حرب غزة، هو ترسيخ مكانتهم باعتبارهم المدافعين عن القدس والمسجد الأقصى. سعى الحوثيون، عبر هذه الحملة، إلى اكتساب الشرعية وتعزيزها، سواء داخل اليمن أو في مختلف أرجاء العالم العربي.

من هذا المنظور، لم تكن تلك الهجمات مجرد خدمة استراتيجية لـ "محور المقاومة" بقيادة إيران، بل كانت أيضا خطوة محسوبة ومدروسة من الحوثيين لتعزيز شرعيتهم ونفوذهم.

ذكر الموقع أن سلوك الحوثيين في حرب الـ12 يوما، بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025، يقدم رؤية مهمة عن نهجهم الاستراتيجي. على الرغم من الخطاب القوي وتصريحات التضامن مع طهران، إلا أن الحوثيين أحجموا عن التصعيد العسكري على إسرائيل، وبدلا من أن يؤدوا دور "القوة الضاربة الفورية"، آثروا أن يكونوا "احتياطيا استراتيجيا" ضمن منظومة "محور المقاومة".

مع ذلك، فإن حسابات الحوثيين لا تتشكل بناء على ولائهم لطهران فحسب، بل تتأثر أيضا بطموحهم السياسي المتنامي داخل اليمن. لقد أدى التنافس بين السعودية والإمارات، الذي أسفر في النهاية إلى انهيار التحالف المناهض للحوثيين (فضلا عن تساهل الرياض تجاههم إلى حد كبير)، إلى خلق واقع استراتيجي جديد.

للمرة الأولى، يرى الحوثيون مسارا واقعيا نحو ترسيخ سيطرتهم طويلة الأمد على أجزاء واسعة من اليمن؛ إذ إن الانخراط حاليا في مواجهة كبرى مع إسرائيل والولايات المتحدة قد يعرّض بنيتهم ​​الأساسية وقيادتهم لخطر ضربات مدمرة، بينما هم يسعون إلى ترسيخ سلطتهم داخليا.

أشار الموقع أيضا إلى أن الحوثيين وعناصر الحرس الثوري الإيراني يواجهون الآن حسابات استراتيجية صعبة: هل ينبغي الرد فورا، مع المخاطرة بتكبد ضربات انتقامية قاسية من إسرائيل والولايات المتحدة، تسفر عن إضعاف قدراتهم إلى حد كبير، أم يلتزمون الصمت للحفاظ على أنفسهم بصفتهم قوة ردع طويلة الأمد، قادرة على تهديد الممرات البحرية والأهداف الإقليمية في حال تصاعد الصراع مستقبلا؟

ويُنظر إلى الحوثيين بوصفهم من أكثر القوى الحليفة لإيران صمودا، ومن أكثرها استقلالية نسبيا في اتخاذ القرار. مع أن الحوثيين يُعرّفون أنفسهم على أنهم شيعة، إلا أن معتقداتهم وممارساتهم تختلف جوهريا عن التيار السائد في الإسلام الشيعي، ومن غير المرجح أن تؤدي وفاة آية الله خامنئي، مع أنها ضربة لراعي الحوثيين الأيديولوجي، إلى دفع عبد الملك الحوثي، للتصرف بتهور أو الانخراط في هجمات انتحارية ردا على الضربات الإسرائيلية.

ووفقا للموقع، فإن المسألة لا تتعلق بقدرتهم على اتخاذ خطوة ما، بل بقرار طهران أن اللحظة المواتية قد حانت وفيما إذا كان الحوثيون مستعدين للمخاطرة بالفرصة الاستثنائية التي برزت حاليا في اليمن، حيث تحولت موازين التنافس بين السعودية والإمارات لصالحهم.

إلى أن يتخذ هذا القرار، يظل اليمن آخر رصيد استراتيجي لمحور إيران الإقليمي.

تتمثل المعضلة التي تواجه واشنطن والقدس فيما إذا كان ينبغي شن ضربة استباقية على الحوثيين، في ظل تواجد حاملات الطائرات الأمريكية في المنطقة، لمنعهم من تعزيز قدراتهم التي قد تهدد المصالح الإسرائيلية والأمريكية.

 

هل سينضم الحوثيون إلى الحرب؟

قال يوني بن مناحيم، على موقع arabexpert، في 8 مارس 2026، إن الحوثيين لم يعلنوا، حتى الآن، تنفيذ أي عمليات عسكرية مباشرة تتعلق بالحرب على إيران رغم التصريحات التي تتسم بالاستعداد والتأهب، وأشار إلى أن مصادر أمنية رفيعة تقدّر أن تردد قيادة الحوثيين نابع من عدة اعتبارات، أبرزها احتمال تعرض الجماعة لهجمات أمريكية وإسرائيلية مباشرة على البنية التحتية العسكرية والاقتصادية التي شيَّدتها في شمال اليمن.

وبحسب التقييمات الإسرائيلية والأمريكية، يدرك الحوثيون تماما مدى حدة الضربات العسكرية التي تتكبدها إيران من الولايات المتحدة وإسرائيل. لقد صُدموا أيضا باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، ومن المتوقع أن يواصلوا دعمهم غير المباشر مع احتمال محدود للتدخل المباشر في الحملة، حيث يعتمد أي قرار بالانخراط في حرب شاملة إلى حد كبير على التطورات في الساحة الإيرانية، ورد إسرائيل، وقدرتهم الداخلية على حفظ الاستقرار في مناطق سيطرتهم في شمال اليمن.

وأشار بن مناحيم إلى أن مصادر أمنية رفيعة المستوى تقدّر أن قرار الحوثيين قد يتأثر أيضا بالتطورات في إيران نفسها، وقد تُسرّع عدة عوامل من قرار الانضمام إلى الحرب، ومنها توجيه ضربة قوية للنظام الإيراني، أو طلب إيران، بصورة مباشرة، تفعيل الجبهات الإقليمية، أو شن هجمات استباقية على قيادة الحوثيين.

في هذه المرحلة، يبدو أن قيادة الحوثيين تسعى للموازنة بين التزامها بالمحور الإيراني والحفاظ على استقرار حكمها في شمال اليمن، لكنها قد تحذو حذو حزب الله وتشن حربا شاملة على إسرائيل والولايات المتحدة.

 

لماذا يلتزم الحوثيون الصمت؟

قال أري هيستين، على معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، في 8 مارس 2026، إن الحوثيين لم ينظروا قط إلى إيران على أنها مركز ثقل أو سيطرة لهم، أو شريكا في تحالف دفاعي مشترك، بل اعتبروها شريكا أيديولوجيا وعسكريا مهما لدعم المكون اليمني المتميز في "المقاومة" الإسلامية. لا تتضمن العلاقة، من وجهة نظر الحوثيين، التزاما يعرض بقائهم للخطر من أجل دعم رعاتهم.

رجَّح هيستين عدم انخراط الحوثيين في الحرب، حتى لو كان لديهم الدافع الأيديولوجي، لأن الظروف الراهنة تعد توقيتا سيئا للغاية لمواجهة التحالف القوي بقيادة الولايات المتحدة، فقد دُمّر اقتصاد الحوثيين بفعل ضغوط هائلة من جميع الجهات، وللأزمة الاقتصادية جوانب ملموسة لا يمكن إنكارها أو التستر عليها بالأيديولوجيا.

أشار أيضا إلى عدة عوامل ساهمت في تفاقم أزمة إيرادات الجماعة، من دون وجود حل واضح في الأفق. ومن بين هذه العوامل: تدمير موانئ الحوثيين جراء الهجمات الإسرائيلية والأمريكية، وتراجع المساعدات الخارجية خشية تحويل مسار الأموال، والعقوبات الصارمة التي فرضتها واشنطن، ونقل المؤسسات المالية الرئيسة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، وحقيقة أنه لا يمكن نهب خزينة الدولة والبنوك والسكان إلى ما لا نهاية، وأن تمكنهم من إثراء الجماعة لسنوات ودفع جزء ضئيل من رواتب موظفي القطاع العام المستحقة، لا يعني بالضرورة قدرة الجماعة على الاستمرار على المدى الطويل. هذه الأزمة المتفاقمة قد تدفع الشعب اليمني إلى حافة الانهيار، وتدفع مرتزقة الجماعة إلى التوقف عن القتال، وربما حتى الانشقاق، بل وتمنع الجماعة من إعادة ملء مخزوناتها من الأسلحة.

بما أن الحوثيين لم يبدأوا إلا مؤخرا في إعادة ترميم موانئهم البحرية التي يعتمد عليها اقتصادهم، فمن المنطقي ألا يتسرعوا في شن جولة أخرى من الهجمات، ويخاطروا بتكبد مزيد من الخسائر. على الرغم من سُمعة الحوثيين التي اكتسبوها بأنهم مقاتلين متمرسين، إلا أن لهم تاريخا موثقا جيدا من الهُدن الاستراتيجية ولا سيما إذا فقدوا زخمهم، أو الرغبة في الراحة وإعادة التسلح قبل الجولة التالية. حاليا، تتجه حسابات الجماعة الاستراتيجية إلى حد كبير نحو ضبط النفس.

ومن الناحية العملية، يمكن الافتراض أن الحوثيين أعادوا تقييم موقفهم بعد الهجمات الناجحة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في شتاء وصيف 2025، وأسفرت عن مقتل كبار قادتهم العسكريين، ومؤخرا القيادة الإيرانية في إطار عملية "زئير الأسد". رغم أن جماعة الحوثيين أصبحت أكثر تنظيما بمرور الوقت، إلا أنها لا تزال ذات طابع شخصي للغاية، وتعتمد على الروابط العائلية والعلاقات الشخصية، وقد يؤدي هجوم من النوع الذي أطاح بطبقات كاملة من القيادات العليا في حزب الله وإيران إلى فوضى عارمة في هيكل سلطة الحوثيين.

مع ذلك، قد تتغير اعتبارات الحوثيين؛ فعلى سبيل المثال، في لحظة يأس، قد يُقدم الحرس الثوري للحوثيين حوافز كبيرة للمشاركة في القتال، ويوفر لهم متنفسا يساعدهم على تجنب أزمة اقتصادية. من المحتمل أيضا أن تبدأ دول مجلس التعاون الخليجي بالانخراط مباشرة في مهاجمة إيران. في هذه الحالة، قد يسعى الحوثيون إلى تحقيق توازن بين النشاط وضبط النفس عبر مهاجمة أهداف في الخليج (بدلا من أهداف أمريكية أو إسرائيلية)، بهدف إثارة رد فعل محدود عليهم.

أوصى هيستين بضرورة عدم استشراف الأحداث المستقبلية من سياسة الحوثيين الحالية، بل ينبغي مواصلة مراقبة التهديد عن كثب، إذ أن أحد أهم المزايا الأساسية التي استغلها الحوثيون باستمرار منذ 7 أكتوبر 2023، هو عنصر المفاجأة.

 

اعتبارات داخلية أم حسابات استراتيجية

أرجع داني سيترينوفيتش، على موقع يسرائيل هيوم، في 7 مارس 2026، ضبط النفس الذي تمارسه جماعة الحوثيين الآن وعدم انضمامها إلى الحرب مع إيران إلى أمرين أساسيين:

·           التنسيق الاستراتيجي مع إيران

ربما تُفضل إيران أن ينخرط الحوثيون في الحملة في مراحلها المتقدمة فقط. إذا قدَّرت طهران أنها حرب استنزاف طويلة الأمد، فإن إبقاء الحوثيين باعتبارهم قوة مؤثرة في مرحلة لاحقة قد يشكل عامل قوة إضافيا مهما. إن مشاركتهم المتأخرة في المعركة، عبر إطلاق الصواريخ أو الهجمات في البحر الأحمر أو الهجمات على الملاحة الدولية، قد تزيد الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة في وقت حرج.

إضافة إلى ذلك، ربما يكون ثمة تنسيق بين طهران وقيادة الحوثيين في صنعاء، بما يُبقي الجماعة ورقة تهديد محتملة للرياض وأبوظبي. طالما لم تتدخل السعودية والإمارات مباشرة في الصراع الحالي، فقد يتجنب الحوثيون تصعيدا قد يجرّ دول الخليج إلى المعركة.

·           اعتبارات داخلية للحوثيين

إن الدخول في حملة مباشرة على إسرائيل أو الولايات المتحدة قد يُعرّض الجماعة لموجة هجمات أخرى كبيرة تلحق أضرارا ببنيتها العسكرية والسياسية في اليمن. لذا، من المحتمل أن قيادة الجماعة تقدر أنه من المستحسن في هذه المرحلة تجنب التصعيد.

مع ذلك، قال سيترينوفيتش إن موقف إيران في الحملة قد يُغيّر حسابات الحوثيين. كلما ازداد الضغط الإسرائيلي والأمريكي على إيران، وخاصة إذا كانت هناك مخاوف حقيقية بشأن زعزعة استقرار النظام في طهران، قد يشعر الحوثيون بالتزام أكبر بالمشاركة في الصراع بفاعلية.

في مثل هذا السيناريو، يُتوقع من الجماعة اتخاذ عدة إجراءات: إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على إسرائيل، ومهاجمة السفن التي تمر عبر مضيق باب المندب، بل وحتى محاولات إلحاق الضرر بالوجود البحري الأمريكي في منطقة بحر العرب.

وقد يسهم دخول الحوثيين في هذه الحملة في تشتيت الضغط العسكري الواقع على إيران، وفتح ساحة أخرى على إسرائيل، وتشكيل تحد للوجود البحري الأمريكي في المنطقة.

فيما يتعلق بالدوافع التي تحرك الحوثيين للمشاركة في الحرب، قالت عنبال نسيم لوفطون، على موقع جلوبس، في 5 مارس 2026، إن الهجوم الإسرائيلي أو الأمريكي في اليمن هو ما سيحفز الحوثيين على التحرك أو تغيير المسار الذي اتبعوه حتى الآن، لأنه يدفعهم إلى الدفاع عن النفس، أو موقف داخل اليمن يُغيّر موازين القوى ويُحوّل العمليات العسكرية الخارجية إلى مكاسب داخلية، وأنه من الصعب عليها تصور كيف يمكن لتهديد إيراني أن يدفعهم إلى اتخاذ إجراء، لأن إيران أصبحت أقل جاذبية لهم من حيث المساعدات التي قدمتها. على أي حال، فقد ازداد اعتمادهم مؤخرا على الصين، على سبيل المثال، في مكونات أسلحتهم، كما أن إنتاجهم المحلي آخذ في الازدياد.

في سياق متصل، أرجع البروفيسور إيال زيسر، على موقع جلوبس، في 2 مارس 2026، عدم تدخل الحوثيين في الحرب مقارنة بحزب الله اللبناني، إلى أنهم شيعة، ولكنهم ليسوا متطرفين دينيا مثل حزب الله، وأن ارتباطهم بإيران ينبع أساسا من مصلحة سياسية. ويرى زيسر أن انضمامهم إلى الحرب قد يكون مسألة وقت، مرجحا أن يقتصر ذلك على إطلاق صاروخ كل بضعة أيام.

في ذات السياق، أشار موقع ماكو العبري، في 4 مارس 2026، إلى تقديرات تفيد بأن إيران هي التي طلبت من الحوثيين التريث وعدم الانخراط في الحرب، ولفت إلى أن هذه الاستراتيجية أثارت دهشة المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، ويصعب التكهن بما يعنيه هذا مستقبلا، ولكن وفقا لتقديرات إسرائيلية، لا يستبعد انضمامهم في المستقبل القريب.

 

الولاء أم البقاء

قالت نوعا لازيمي، على موقع يسرائيل هيوم، في 3 مارس 2026، إنه من المحتمل، بالنظر إلى الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد بين طهران وصنعاء، التي أتاحت للحوثيين الاستفادة من الخبرات الإيرانية وإمدادات الأسلحة، ألا تتغاضى قيادة الجماعة عن إبداء دعم حقيقي. حتى إن لم تنخرط الجماعة في قتال واسع النطاق، فقد تختار خطوة رمزية أو محدودة تعبّر عن التزامها.

وتذهب بعض التقديرات إلى أن الحوثيين قد يستغلون الصراع الحالي للعودة إلى واجهة المشهد، ولن يكتفوا بدعم رمزي فحسب.

في هذا السياق، يحذر خبراء الأمن من أن الحوثيين استغلوا الوقت، منذ وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لتعزيز قدراتهم إلى حد كبير والاستعداد عسكريا، بما في ذلك إجراء مناورات برية. على الرغم من فشل وابل الصواريخ الذي شنّه الحوثيون في الجولات السابقة مع إسرائيل، حيث جرى اعتراض معظمها بنجاح، إلا أنه من الممكن رصد تحسينات في أسلحتهم، ومن بينها الاستخدام غير المسبوق للصواريخ ذات رؤوس عنقودية.

قالت لازيمي إن الحوثيين لديهم أيضا اعتبارات ردعية:

 -          تُدرك قيادة الجماعة جيدا قوة الرد الأمريكي، كما انعكس في عملية الضربات الجوية والبحرية واسعة النطاق (الفارس الخشن) على الحوثيين، في مارس 2025، ردا على هجماتهم في البحر الأحمر، ومن المرجح أنها لا ترغب في خوض التجربة مجددا.

 -          يوجد عامل ردع مهم أيضا يتعلق بإسرائيل، استنادا إلى تجارب سابقة تضمنت إلحاق أضرار جسيمة بالموانئ والبنية التحتية، واغتيال مسؤولين كبار. يمكن الافتراض أن اغتيال المرشد الأعلى "علي خامنئي" خلال الهجوم المشترك في اليوم الأول يحمل دلالات واضحة. هذه الرسالة لا تغيب عن الحوثيين، ومن المستبعد تعريض أنفسهم لمخاطرة مماثلة.

لذا، يواجه الحوثيون معضلة: الولاء الاستراتيجي لإيران واستغلال الحرب لبسط نفوذهم الإقليمي، في مقابل مصلحة بقائهم الواضحة. وإذا آثروا الانضمام إلى الحملة، فمن المرجح أن تكون هذه الخطوة محسوبة ومحدودة، بحيث تسمح بإعلان التضامن واستعراض القوة دون الانجرار إلى صراع طويل الأمد قد يُكبّدهم خسائر فادحة. في الوقت نفسه، يجب على إسرائيل الاستعداد لاحتمال أكثر خطورة، وهو أن يُقرر الحوثيون خوض مخاطرة كبيرة والانضمام إلى القتال باعتبارهم فاعلا رئيسيا في محور المقاومة.



التقرير منشور في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بتاريخ: 28 مارس 2026

https://sanaacenter.org/ar/translations/26698


أحمد الديب

باحث في الشأن الإسرائيلي

تعليقي على جريدة "الأيام نيوز" الجزائرية بشأن تقلب مزاج الرئيس الأمريكي ترامب وأثره على أسعار الطاقة

  في البيت الأبيض.. وسادة تُدير اقتصاد العالم كيف سيكون سعر النفط اليوم؟.. الإجابة عن هذا السؤال لم تعد ترتبط فقط بمعطيات السوق أو مؤشرات ال...