(14- مايو- 2026)
الدعم الأمريكي يؤجل الانهيار.. والتآكل الداخلي يتسارع داخل الكيان الصهيوني
تكشف المؤشرات الاقتصادية والعسكرية المتداولة في الأوساط الإعلامية والرسمية داخل الكيان الصهيوني عن تنامي أزمة مركبة لم تعد تقتصر على تداعيات ظرفية مرتبطة بالحرب، بل باتت تعكس اختلالات هيكلية عميقة تمسّ بنية الاقتصاد ومنظومة الأمن معًا.
فالتوسع المستمر في العمليات العسكرية وتعدد ساحات المواجهة ساهما في استنزاف غير مسبوق للموارد المالية والبشرية، ما أدى إلى ارتفاع العجز المالي وتفاقم الدين العام، مقابل تراجع القدرة على الحفاظ على التوازنات الاقتصادية المخطط لها.
وفي ظل هذا الوضع، يزداد اعتماد الاقتصاد على التدخل الحكومي والضمانات الرسمية لتعويض تراجع ثقة السوق، بالتوازي مع تصاعد المخاوف المرتبطة بالالتزامات المالية المستقبلية، خاصة في ملف التقاعد.
أما على الصعيد العسكري، فتبرز مؤشرات إنهاك متزايد لمنظومة الاحتياط وتراجع القدرة على تعبئة القوى البشرية، وسط انقسامات داخلية متصاعدة بشأن التجنيد وتقاسم الأعباء، بما يعكس اهتزازًا متناميًا في التماسك الداخلي حول أولويات الأمن القومي.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير في الشؤون الصهيونية أحمد الديب لـ”الأيام نيوز” أن الاقتصاد الصهيوني يعيش حالة إنهاك متصاعدة نتيجة تحول الاعتبارات الأمنية إلى المحرك الأساسي للسياسات الاقتصادية والمالية، بدل أن تكون مجرد أحد عناصرها.
ويرى الديب أن ما بعد السابع من أكتوبر شكّل نقطة تحول فارقة في بنية الاقتصاد الصهيوني، بعدما اضطرت الحكومة إلى توجيه الجزء الأكبر من مواردها نحو المجهود العسكري، سواء عبر رفع ميزانية الجيش أو تغطية تكاليف التعبئة الواسعة لقوات الاحتياط.
ويشير الديب إلى أن استدعاء ما يقارب 350 ألف جندي احتياط مثّل ضربة مباشرة لسوق العمل، بالنظر إلى أن هؤلاء يشكلون نسبة معتبرة من القوى العاملة داخل قطاعات حيوية، ما أدى إلى تراجع الإنتاج وتباطؤ النشاط الاقتصادي.
كما انعكس الوضع الأمني على قطاعات تعدّ العمود الفقري للاقتصاد الصهيوني، وفي مقدمتها قطاع التكنولوجيا الفائقة الذي يمثل نحو 20 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي وحوالي نصف الصادرات الصهيونية، فضلًا عن تراجع إيرادات السياحة وتباطؤ عمليات استخراج وتصدير الغاز، إضافة إلى التأثيرات السلبية التي طالت قطاعات البناء والألماس والاستثمار الأجنبي.
ويضيف أحمد الديب أن الحرب الحالية فرضت تكاليف مباشرة وغير مباشرة هائلة على الاقتصاد الصهيوني، نتيجة الاستخدام الكثيف للذخائر ومنظومات الدفاع الجوي باهظة الثمن، مثل “القبة الحديدية” و”السهم 3″، إلى جانب التعويضات المالية التي دفعتها الحكومة للمتضررين من الحرب، وإعانات البطالة، وتغطية خسائر الشركات والأفراد. كما تزامن ذلك مع تراجع إيرادات الدولة الضريبية وانخفاض حجم الاستثمارات الأجنبية، وهو ما عمّق العجز المالي ورفع مستويات الدين العام.
ويؤكد الديب أن الحصار البحري الذي فرضته جماعة الحوثي على الملاحة المرتبطة بالكيان الصهيوني عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب شكّل بدوره عامل ضغط إضافي على الاقتصاد الصهيوني، حيث ارتفعت أسعار العديد من السلع والمنتجات، بما فيها الأجهزة الإلكترونية والمواد الغذائية، كما تضررت صادرات البوتاس والمعدات الطبية وسوق السيارات، فضلًا عن التأثير المباشر على ميناء إيلات الذي تعرض لشلل شبه كامل، ما أدى إلى تسريح أعداد كبيرة من العمال والموظفين.
ويشير الديب إلى أن من أبرز المؤشرات التي تعكس حجم الأزمة، بحسب الخبير ذاته، قرار وكالة “موديز” خفض التصنيف الائتماني السيادي الصهيوني من A1 إلى A2 خلال فيفري 2024، وهو تطور وصفته أوساط اقتصادية صهيونية بأنه الأخطر منذ عقود. ويرى أن هذه الخطوة لم تكن مرتبطة فقط بالكلفة العسكرية للحرب، بل أيضًا بحالة عدم اليقين التي تسيطر على المشهد الاقتصادي والسياسي، إلى جانب تزايد المخاوف من استمرار المواجهات لفترة طويلة.
ويلفت أحمد الديب إلى أن الجيش الصهيوني يواجه استنزافًا بشريًا متصاعدًا نتيجة استمرار التعبئة والتنقل بين جبهات متعددة، الأمر الذي يفرض أعباء ضخمة على الاقتصاد الداخلي، باعتبار أن جزءًا كبيرًا من قوات الاحتياط هم في الأصل موظفون وعمال داخل قطاعات مدنية. ويشير إلى أن استمرار هذا النمط من التعبئة لفترات طويلة قد يقود إلى تآكل تدريجي في القدرات العملياتية للجيش، خاصة إذا ترافق مع اتساع رقعة المواجهة واستمرار الضغوط الاقتصادية.
ويضيف أن استمرار الحرب أصبح مرتبطًا بشكل كبير بالدعم الخارجي، لا سيما الأمريكي، موضحًا أن الولايات المتحدة أنفقت عشرات المليارات من الدولارات لدعم الكيان الصهيوني عسكريًا منذ أكتوبر 2023، سواء عبر المساعدات المباشرة أو من خلال نشر حاملات الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي في المنطقة. ويرى أن هذا الدعم يشكل عنصرًا حاسمًا في منع انهيار المنظومة الإسرائيلية على المدى القريب، لكنه لا يلغي حجم الاختلالات البنيوية المتراكمة داخل الاقتصاد والمجتمع.
ويؤكد الديب أن ارتفاع الدين العام وتضخم الالتزامات المستقبلية، بالتوازي مع غياب صورة واضحة حول حجم الأصول والالتزامات الحقيقية، يضعان النظام المالي الصهيوني أمام تحديات متزايدة. ورغم محاولات الحكومة الصهيونية طمأنة الأسواق عبر التأكيد على الحفاظ على التوازن المالي، إلا أن استمرار الإنفاق العسكري بوتيرته الحالية قد يدفع الاقتصاد نحو مرحلة أكثر خطورة، خاصة في ظل تراجع الثقة الاستثمارية واتساع العجز المالي.
ويشير الديب إلى أنه لا يتوقع انهيارًا وشيكًا للكيان الصهيوني في المدى القريب، بالنظر إلى حجم الدعم السياسي والاقتصادي الذي يتلقاه من الولايات المتحدة وحلفائها، إضافة إلى شبكات التمويل والتبرعات الدولية. غير أنه يحذر في المقابل من أن استمرار الحكومة الصهيونية في توسيع المواجهات وفتح جبهات جديدة، دون الالتفات إلى المؤشرات الاقتصادية المقلقة، قد يقود تدريجيًا إلى أزمة عميقة تنعكس على الوضع الاجتماعي ومستوى المعيشة والتماسك الداخلي.
ويؤكد أحمد الديب، الخبير في الشؤون الصهيونية، أن التحدي الحقيقي الذي يواجهه الكيان الصهيوني اليوم لا يكمن فقط في إدارة الحرب عسكريًا، بل في قدرته على تحمّل الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية طويلة المدى، في ظل تصاعد مؤشرات التآكل الداخلي واتساع الفجوة بين متطلبات الأمن واستحقاقات الاستقرار الاقتصادي.
الرابط


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق