من أنا

صورتي
Egypt
مترجم وباحث في الشأن الإسرائيلي حاصل على ماجيستير في اللغة العبرية وآدابها كلية اللغات والترجمة جامعة الأزهر

السبت، 23 مايو 2026

من وعود بتحقيق العدالة إلى تآكل الشرعية: الحوثيون والقبائل واقتصاد الحرب في اليمن

 

قالت ياسكه شاكي، على موقع مركز موشيه ديان للدراسات الشرق أوسطية والأفريقية، في 30 أبريل 2026، إن سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) على السلطة في شمال اليمن استند على خلفية أيديولوجية واضحة. لقد قدمت الجماعة نفسها على أنها حركة تناضل من أجل تطبيق حكم عادل، ومحاربة الفساد، والذود عن سيادة اليمن من التدخل الأجنبي، لا سيما من السعودية ودول الخليج. رأى السكان المحليين، وخاصة في المناطق القبلية الشمالية، أنها رسالة بالغة الأهمية، مما أدى إلى دعم أيديولوجي للحركة، والتحالف معها، والمساعدة في ترسيخ حكمها.

تآكل الشرعية: تفكك الدعم القبلي للحوثيين

قالت شاكي إن التحالفات القبلية تُعدّ عنصرًا أساسيًا في الحكم في اليمن، وقد أدرك الحوثيون ذلك منذ البداية. لقد أنشأوا شبكةً عريضة من التحالفات، لمساعدتهم على تعزيز نفوذهم وترسيخ وجودهم السياسي. وأسسوا عبر العلاقات الاستراتيجية والوساطة، بل وحتى الإكراه، بنيةً تحتيةً للدعم القبلي حتى قبل سيطرتهم على صنعاء عام 2014.

سيطر الحوثيون بعد الاستيلاء على السلطة -دون مقاومة تُذكر، بفضل الدعم القبلي إلى حدٍ كبير- على مؤسسات الدولة ووكالاتها، وبدأوا بممارسة سيطرةٍ مباشرةٍ وقسرية، إلى جانب آليات التحالف القائمة. وساعدتهم قواعد بيانات الشبكات القبلية على ترسيخ سيطرتهم وتعميقها في مختلف المحافظات. مع ذلك، لم تتغير قاعدة قوة الجماعة، وواصلت اعتمادها على شبكات الدعم القبلية. وتدار هذه التحالفات من منطلق أنها براغماتية وقائمة على المصالح (وخاصة المالية)، وليس بالضرورة على أساس الهوية الأيديولوجية.

وقالت إن الولاء للحكومة في المجتمع القبلي اليمني، لا ينبع من التزام فكري بالدولة، بل من نظام تحالفات، ومقايضات، وتوازنات. فالقبائل لا تُطيع الحكومة طاعة عمياء، لديهم مؤسسات مستقلة تخضع للقانون القبلي، وتتمثل مهمتها في الوساطة، والمصالحة، وحل النزاعات. تخضع القبائل أحيانًا للحكومة، وتتصرف باستقلالية أحيانًا أخرى، وفقًا لمصالحها المحلية. لذا، فإن دعم القبائل للحوثيين مشروط بقدرة الأخير على توفير الحماية والعدالة والتوزيع العادل للموارد. وإذا لم تتوفر هذه الشروط، فإن ولاء القبائل للحوثيين يتآكل.

إن قيادة أنصار الله حاليًا معنية إلى حد كبير بالحفاظ على رأس المال، والسلطة، والنفوذ المتراكم على مر السنين، مع تراجع استعدادها لتحمل المخاطرة الشخصية. يختلف هذا السلوك عن روح القتال والتماسك اللذين ميزا بداياتها ومكّناها من حشد دعم قبلي واسع. في الوقت نفسه، يخضع حكم الحوثيون لضغوط متزايدة، مثل تدهور الاقتصاد، وتآكل السردية الأيديولوجية، والفجوة بين الأجيال. ولذا، لا يتذكر جيل شباب الإقصاء التاريخي للشمال، أو حروب صعدة التي وحدت القبائل حول الحركة، بل يعيش واقعًا يتسم بحكومة حوثية فاسدة، وبنية تحتية متهالكة، وجوع، ونقص في الموارد.

وقد قسَّم التقرير القبائل الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى ثلاث مجموعات رئيسة:

·        المجموعة الأولى أيديولوجية، وتدين بولاء كامل لأيديولوجية الحوثيين. وقد قُتل كثير من أفرادها في حروب سابقة (2004-2010) وحروب حالية؛ هي مجموعة صغيرة نسبياً، لكنها تتسم بقدر كبير من الالتزام.

·        أما المجموعة الثانية، تتعرض للإكراه، وترسل أبنائها للقتال سعياً وراء الموارد (الأسلحة، والمال، وسبل العيش). هؤلاء المقاتلون ليسوا مخيرون، بل يجبرون أحيانًا على المشاركة بالقوة بسبب التهديدات، وعمليات الخطف، ومصادرة ممتلكات من يرفض الانصياع لأوامر الحركة.

·        بينما تضم المجموعة الثالثة، التي تمثل الأغلبية، من يتبنون نهجاً براغماتياً. يقاتل أعضاؤها مع الحوثيين، لأسباب منها الإحساس بالاحترام والانتماء القبلي، لا سيما في ظل عدوانية التحالف وتاريخ تدخل دول الخليج. مع ذلك، فإن ولاءهم مؤقت ومشروط؛ ويرجح أن كثير منهم ينتظرون الفرصة المناسبة لزعزعة النظام الحالي، بل وحتى التمرد، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية، وتفاقم الفساد في صفوف قيادة الحوثيين.

قالت شاكي إن الحوثيين يدركون التفكك التدريجي للتحالفات القبلية، ولذا يتخذون إجراءات إنفاذ صارمة. بعبارة أخرى، أصبح نهجهم الاستراتيجي أقرب إلى "الخضوع" منه إلى "الشراكة". ولذلك، يعتقلون من يعارضهم من الشيوخ؛ بل ويدمرون منازلهم، ويعينون شيوخًا بمعرفتهم موالون للجماعة. إضافة إلى ذلك، وبالتوازي مع التجنيد القسري للمقاتلين وفرض الضرائب، يجبرون أطفال القبائل على الخضوع لإعادة تأهيل فكري، مما يؤكد الأهمية الأيديولوجية للجماعة والامتثال لها. هذه الإجراءات تضر بالتقاليد القبلية، ومن ثم تضعف المقاومة الداخلية. وهكذا، يظل الحوثيون قوة مؤثرة بفضل خبرتهم العملياتية، وقدرتهم على التكيف، ومعرفتهم العميقة بالأرض والمجتمع، إلى جانب استعدادهم لتصعيد القتال عند الضرورة.

الفساد، واقتصاد الحرب، والأزمة الاجتماعية والاقتصادية

يعيش أكثر من 80% من سكان اليمن حاليًا تحت خط الفقر. وعد الحوثيون بالقضاء على الفساد وتأسيس نظام عادل، لكنهم في الواقع أصبحوا فاعلين رئيسيين في اقتصاد الحرب، وهو نظام اقتصادي يهدف إلى تغذية الجهاز العسكري والسياسي للجماعة، بدلاً من تحسين رفاهية السكان. يتحمل السكان المحليون عبئاً ثقيلاً من الضرائب، بينما تُوجَّه الموارد المحلية لدعم محور خارجي. هذا الواقع يثير امتعاضًا متزايداً بين المواطنين الذين يعانون من نقص الموارد، ويُضر بقدرة الجماعة على ترسيخ شرعية داخلية مستقرة. لدى الحوثيون مصادر دخل متنوعة، تشمل الدعم الخارجي من إيران، والسيطرة على طرق التجارة (خاصة في مضيق باب المندب)، وتحويل مسار المساعدات الإنسانية، والضرائب المفروضة على السكان المحليين. لا تُستخدم هذه الموارد لتحسين حياة المواطنين، بل تخدم الجماعة، والنخبة الحاكمة لتكديس الثروة والنفوذ السياسي.

وأشار التقرير إلى أن الحوثيين اعتمدوا على دعم القبائل، وتعهدوا بتطبيق حكم عادل في اليمن. عمليًا، تُقوّض أنماط نشاطاتهم -المتمثلة في الفساد، والجور في توزيع الموارد، وفرض السلطة بالعنف- قدرتهم على الحفاظ على التحالفات التي تتأسس عليها سلطتهم. وتبرز هذه الفجوة -بين الوعود والواقع- بوجه خاص في ظل تحويل الموارد نحو الانخراط الإقليمي مع إيران، مما يُعمّق تآكل دعم القبائل غير الراغبة في تحمّل تكاليف السياسات التي ينظر إليها على أنها تخدم مصالح خارجية، بل وتعرّض اليمن لتصعيد عسكري. في الوقت نفسه، يستمر النظام القبلي في تشكيل حدود سلطة الحوثيين: فعندما تتعارض سياساتهم مع المصالح المحلية، تميل القبائل إلى تقليص التعاون، بل وحتى إبداء المعارضة. وفي هذا السياق، قد يُؤدي انحيازهم إلى جانب إيران في الحملة الحالية على إسرائيل إلى تفاقم تآكل شرعية حكمهم الداخلية.


التقرير منشور على مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية

https://sanaacenter.org/ar/translations/27279

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

دوافع إحجام الحوثيين عن مهاجمة إسرائيل

  ذكر موقع القناة 14 الإسرائيلية، في 19 مايو 2026 ، أن سبب هدوء الحوثيين شبه التام في الآونة الأخيرة يرجع - وفقًا لمصدر مُق...