من أنا

صورتي
Egypt
أحمد الديب هو باحث في الشأن الإسرائيلي ومترجم من اللغة العبرية، يُعدّ تقارير الترجمة والرصد الدورية للمصادر العبرية في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، مع تركيز على الإعلام الإسرائيلي، ومراكز الأبحاث، والخطاب السياسي المرتبط باليمن والمنطقة. حصل على درجة الماجستير في اللغة العبرية وآدابها من كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر في القاهرة. شغل سابقًا منصب المشرف على صفحة «اليمن بعيون إسرائيلية» في مركز سبأ للدراسات الاستراتيجية (2012–2014)، كما ساهم في إعداد دراسات وتحليلات ضمن وحدة الدراسات الإسرائيلية والفلسطينية في مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم الوطنية بالقاهرة، إلى جانب مساهماته في عدد من المؤسسات البحثية.

السبت، 3 أكتوبر 2026

الحوثيون يغيرون قواعد اللعبة، وواشنطن والرياض بحاجة إلى استراتيجية جديدة

 

قال داني سيترينوفيتش، على صفحته على منصة x، في 10 سبتمبر 2026، إن الوقت قد حان للاعتراف بحقيقة مزعجة: السعودية لم تكن مستعدة لهذه المواجهة مع الحوثيين.

لسنوات، كان نهج الرياض قائماً أساساً على الاحتواء. سعت السعودية إلى شراء الاستقرار، ودعم التسويات  التي تسمح لحكومة الحوثيين في صنعاء بمواصلة عملها، والتحرك تدريجياً نحو خارطة طريق سياسية تمنع نشوب حرب كبرى أخرى.

لكن استخلص الحوثيون درساً مختلفاً تماماً من الأحداث الأخيرة. فقد خلصوا بشكل متزايد إلى أن السعودية أصبحت أكثر عرضة للخطر، وأكثر حذراً من المخاطر، وأقل استعداداً للعودة إلى حرب شاملة. وبدلاً من تعزيز الردع، يبدو أن ضبط النفس السعودي قد عزز ثقة الحوثيين بأن التصعيد قد يحقق مكاسب إضافية.

هذا الأمر مهم لواشنطن، لأنه ثمة ميل للاعتقاد بأن المشكلة يمكن حلها عبر طهران: إذا فُرض على إيران ضغطٌ كافٍ، فقد تضطر إلى الضغط على الحوثيين للتراجع.

هذا فهم خاطئ للعلاقة. إيران تعتبر الحوثيين أحد أهم شركائها الاستراتيجيين في المنطقة. قدمت طهران أسلحة، وتكنولوجيا، وخبرات، وأشكالاً أخرى من المساعدة التي عززت إلى حد كبير قدرات الحوثيين. لكن النفوذ لا يعني السيطرة.

لا ينظر الحوثيون إلى أنفسهم بوصفهم مجرد وكلاء ينتظرون التعليمات من طهران، بل يرون أنفسهم شركاء في ما يُسمى بمحور المقاومة، ولهم مصالحهم وأيديولوجيتهم وآلياتهم الخاصة في صنع القرار. وقد أظهرت المواجهات السابقة مع الولايات المتحدة حدود قدرة طهران، أو رغبتها، في كبح جماحهم.

وهذا يضع واشنطن أمام معضلة متزايدة الصعوبة. فقد خاضت الولايات المتحدة بالفعل حملة عسكرية لمواجهة الحوثيين بتكلفة باهظة ونتائج استراتيجية محدودة. ولا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن جولة أخرى من الضربات، في حد ذاتها، ستغير سلوك الحوثيين جذرياً. سوف تستنزف حملة أخرى مزيدًا من الذخائر، والموارد العسكرية، مع تعريض الأصول الأمريكية، لا سيما في البحر، للهجوم مجدداً.

بإمكان واشنطن، بل يجب عليها، تقديم المساعدة الاستخباراتية، والدفاعية، والعسكرية، للسعودية وحلفائها. لكن هذا لا يُمكنه التعويض إلى الأبد عن ضعف وتشرذم معسكر مناهضة الحوثيين داخل اليمن.

في غضون ذلك، يسعى الحوثيون إلى تحقيق هدفٍ أسمى بكثير من مجرد نصرٍ ميداني آخر. إن تقدمهم نحو باب المندب يُعزز قدرتهم على تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

هذه هي القضية الاستراتيجية الحقيقية. لا يحتاج الحوثيون إلى هزيمة البحرية الأمريكية أو غزو السعودية، بل يكفيهم إثبات قدرتهم على تهديد الملاحة التجارية مرارًا، وفرض خسائر اقتصادية، وإجبار واشنطن وحلفائها الإقليميين على الاختيار بين قبول واقع جديد أو الدخول في مواجهة عسكرية مكلفة أخرى.

ولا يعني هذا أن الحوثيين لا يُقهرون، فلديهم نقاط ضعف. يمكن مهاجمة بنيتهم ​​التحتية العسكرية، وإضعاف قدراتهم، وتكبيدهم خسائر فادحة.

لكن تدمير منصات الإطلاق لا يُحقق الردع. يكمن التحدي الرئيسي في كيفية ردع حركة أيديولوجية متشددة مستعدة لتحمل عقوبات جسيمة، وتمتلك صواريخ وطائرات مسيرة متطورة باستمرار، وغيرها من القدرات التي طُوّرت بمساعدة إيرانية. وقد استوعبت السعودية درسًا مهمًا آخر: المال قد يشتري هدوءًا مؤقتًا، لكنه لا يشتري الردع الاستراتيجي.

لذا، لا يمكن أن تبقى الاستجابة مشكلة سعودية بحتة مع دعم عسكري أمريكي متقطع. تتطلب حماية باب المندب وحرية الملاحة تحالفًا دوليًا أوسع وأكثر استدامة، يجمع بين الأمن البحري، والاستخبارات، والضغط العسكري، وتعزيز الشركاء المحليين والدبلوماسية.

لن تكون هذه حملة سريعة، وإيران تستفيد منها بالفعل. لا تحتاج طهران إلى السيطرة على كل قرار يتخذه الحوثيون. ترى إيران أن وجود حركة حوثية قوية قادرة على تهديد باب المندب، وإشغال السعودية، واستنزاف الموارد العسكرية الأمريكية، ورفع التكاليف الاقتصادية للمواجهة الإقليمية، إنجازًا استراتيجيًا بالغ الأهمية.

السؤال الأهم هو كيفية منع الحوثيين من تغيير الواقع الاستراتيجي المحيط بباب المندب تغييرًا جذريًا. لأنهم بمجرد تمكنهم من إجبار الولايات المتحدة وحلفاءها على الاختيار بين تصعيد مكلف وقبول قيود محتملة على حرية الملاحة، لن يحتاجوا إلى هزيمة أمريكا عسكريًا. لقد حققوا بالفعل ما هو أكثر قيمة: تغيير قواعد اللعبة.

تقدّم الحوثيين والهجمات على السعودية تضع ما يُسمى بـ"تحالف مكة" بين السعودية وتركيا وباكستان لأول اختبار استراتيجي حقيقي، وحتى الآن، النتائج أقل بكثير من مستوى التوقعات.

يمثل الحوثيون أول اختبار حقيقي لهذا التحالف؛ فإذا لم تكن تركيا وباكستان مستعدتين لتقديم مساعدة فعلية ومؤثرة في وقت تتعرض فيه الأراضي والمصالح الاستراتيجية السعودية للهجوم، فسيتعين على الرياض إعادة النظر في القيمة الحقيقية التي يقدمها هذا التحالف، بعيداً عن دلالاته السياسية الرمزية.

إن التحالف الذي يقتصر عمله على أوقات السلم لا يُعد تحالفاً حقيقياً يُعتد به.

وفي سياق متصل، قال أريئل أوسيران، مراسل الشرق الأوسط لقناة i24news، على صفحته على منصة x، في 10 سبتمبر 2026، إن القوات اليمنية المدعومة من السعودية، أعلنت أنها حققت إنجازات كبيرة ميدانيًا في المناطق الصحراوية الشمالية والوسطى، ويبدو أنها اخترقت خطوط الحوثيين.

لكن في الواقع، أعاد الحوثيون ببساطة تمركز قواتهم، وتخلوا عن المناطق المفتوحة حتى يتمكنوا من السيطرة على الساحل الغربي الأكثر أهمية. وبحلول صباح يوم الخميس، استولت الجماعة المدعومة من إيران على الساحل الاستراتيجي ومدينة المخا الساحلية، بعد انسحاب جماعي للقوات الحكومية.

وقال إن مسؤول عسكري يمني سابق أخبره أن تفاخر القوات الحكومية اليمنية بالأمس كان في الواقع غطاء لخسائرها على الساحل. مضيفًا: "إنه أمر سيء حقًا".

ويقول إن الطريقة الوحيدة لقلب دفة المعركة هي أن تشارك السعودية بشكل أكبر وتفعيل اتفاق مكة، مما يضع تركيا وباكستان في هذه المعادلة.

ومع ذلك قال أوسيران: "أنا شخصياً أشك في إمكانية تحقيق ذلك، لكن الأيام كفيلة بكشف هذا".


أحمد الديب

باحث في الشأن الإسرائيلي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الحوثيون في باب المندب: إعادة رسم المشهد الأمني للإقليم

اليمن في الإعلام ومراكز الأبحاث الإسرائيلية  ( مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية) الحوثيون في باب المندب : إعادة رسم المشهد ...