قال أري هيستين، على معهد القدس للاستراتيجية والأمن، في 19 يناير 2026، إن حجم الخطأ في تقديرات المجلس الانتقالي الجنوبي هو أحد أبرز ملامح الاضطرابات الأخيرة في جنوب اليمن. على مدى عقدٍ تقريبًا، اهتم المجلس الانتقالي بدقة متناهية، في بناء قواتٍ عسكريةٍ تحت مظلته وتعزيز حاضنة سياسيةٍ محلية وإقامة علاقاتٍ دبلوماسيةٍ خارجية؛ إلا أن معظم هذا الاستثمار قد تبدد في غضون شهرٍ واحد، إذ انتقل المجلس من أوج قوته منذ تأسيسه عام 2017، إلى انهيارٍ مفاجئ.
تطرق هيستين في هذا المقال إلى عدة أسئلة، أبرزها:
- ما الذي دفع المجلس الانتقالي الجنوبي إلى التعجّل في خوض محاولة حاسمة نحو الاستقلال متجاهلًا احتمال رد فعل سعودي قد يطيح بكل ما أنجزه؟
1- إدراكهم بأن الوقت ينفد
مع أن المجلس الانتقالي الجنوبي عرّف نفسه على أنه حركة انفصالية، إلا أنه اندمج رسميًا في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا عبر مجلس القيادة الرئاسية، ومع فشل أداء الحكومة، شوّه هذا الاندماج سمعة المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه. لم تُسهم المشاركة في الدولة بتعزيز استقلال الجنوب، أو توفير الخدمات الأساسية لسكان الجنوب. كان المجلس مُعرَّضًا لخطر أن ينظر إليه بوصفه امتدادًا لفشل الحكومة، لا بديلًا لها.
2- المفاوضات السعودية الحوثية تكتسب زخمًا
قال هيستين إن المناقشات بين السعودية والحوثيين تركزت على وضع خارطة طريق لإنهاء الصراع متعدد الأوجه. من وجهة نظر المجلس، أثار هذا على الأرجح مخاوف من أن تُساوم الرياض على مصالح اليمنيين، ولا سيما مصالح الانفصاليين الجنوبيين المدعومين من الإمارات، لتأمين خروجها من الحرب. لعل التحرك السريع لفرض أمر واقع ميداني هو السبيل الوحيد لكبح جماح مرونة السعودية واستباق أي تنازلات غير مواتية.
ربما أسهمت رسائل واشنطن في تعميق هذا الإحساس بوجود فرصة سانحة؛ فقد أبدت الإدارة الأمريكية الحالية استعدادًا لتحدي المسلمات الموروثة بشأن النظام الإقليمي، مما قد يجعلها أكثر انفتاحًا لتقبل مخرجات مثل انفصال الجنوب مقارنة بالإدارات السابقة. بالتوازي، أصدر البيت الأبيض أمرًا تنفيذيًا يدرس إمكانية تصنيف عناصر من جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية. بالنسبة لجهة مدعومة من الإمارات ربما أوَّل المجلس الانتقالي، الذي يحظى بدعم إماراتي، هذا على أنه يوفر غطاءً سياسيًا للإطاحة بحكومة يمنية تقودها شخصيات مرتبطة بحزب الإصلاح، التابع لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن.
رجح هيستين أن تضافر هذه العوامل مجتمعة ربما أسهمت في ترسيخ قناعة المجلس الانتقالي بأن هامشًا ضيقًا من الفرص أصبح متاحًا. كان الافتراض السائد هو أنه بمجرد إرساء السيطرة ميدانيًا، سيكون رد السعودية محدودًا. في نهاية المطاف، لقد فكت الرياض إلى حد كبير ارتباطها باليمن منذ وقف إطلاق النار مع الحوثيين عام 2022، وسعت منذ ذلك الحين إلى مخرج تفاوضي. في سياق المفاوضات السعودية الحوثية، قدمت المملكة نفسها كثيرًا باعتبارها وسيطًا وليست طرفًا في النزاع، وربما رأى المجلس الانتقالي أن احتمال تصعيد السعودية وتدخلها لمنع حملتهم ضئيلًا.
أثبت هذا الافتراض خطأه الفادح. لم تتسامح السعودية مع محاولة سريعة، مدعومة من الإمارات، لإعادة تأسيس جنوب اليمن كدولة مستقلة. مع أن الرياض تُدرك على الأرجح حدود قدرتها على التأثير في اليمن، إلا أنها لا تزال تمتلك قدرة هائلة على عرقلة سير الأمور؛ نظرًا لتفوقها في القوة الجوية والبحرية واللوجستية، وهي قدرات توفرت لها بفضل مساحتها وقربها الجغرافي. الأهم من ذلك، أن تحرك المجلس الانتقالي الجنوبي هدد ما تعتبره السعودية مصالحها الأمنية الوطنية الجوهرية: لم تكن الرياض مستعدة للوقوف مكتوفة الأيدي بينما يسيطر المجلس على الحكومة اليمنية، التي لا تزال تعد قناتها الرئيسة للتأثير على جارتها ذات الكثافة السكانية العالية والمدججة بالسلاح على طول حدودها الجنوبية.
ترى الرياض أن تقسيم اليمن على حساب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا يمثل خطرًا طويل الأمد قد يُجبر السعودية في نهاية المطاف على الانخراط مباشرة في اليمن، إذ قلّص ذلك من خياراتها في ممارسة النفوذ عبر شركائها على الأرض. من المرجح أن المجلس الانتقالي كان يضغط على السعودية بشأن القضية الجنوبية لبعض الوقت، وسئم في نهاية المطاف من تكرار المماطلة، فاستنتج أن اللحظة قد حانت "إما اغتنامها الآن أو أنها ستضيع للأبد". مع ذلك، وبالنظر إلى تاريخ التنسيق بين الجانبين، فإن حجم الخطأ في التقدير ملفت للنظر، ويؤكد على التقلبات الكامنة في عملية صنع القرار الشخصية للغاية.
لا تزال التداعيات الإقليمية غير مؤكدة، لكن ثمة مسارات متعددة ممكنة، وإن لم تكن متناقضة:
أولًا، قد يتبدد الزخم الانفصالي الجنوبي مؤقتًا، مما يؤدي إلى عودة سطحية إلى الوضع الطبيعي تتسم باستمرار الإشراف السعودي على حكومة يمنية ضعيفة؛ ويأتي هذا بعد عقد من الزمن أظهر فشل السعودية في بناء القدرات أو توفير الخدمات الأساسية.
ثانيًا، قد يُقسّم اليمن بالفعل، ولكن عبر إطار تحدده وتُديره السعودية.
ثالثًا، قد يتفاقم نطاق القتال المتجدد بين معسكر مناهضة الحوثيين، مما سيؤدي إلى مواجهة واسعة بين القوات الحكومية الملتزمة بوحدة اليمن وبين تمرد يدعم النزعة الانفصالية.
رابعًا، قد يمهد انهيار المجلس الانتقالي الجنوبي الطريق لتوحيد القوات المسلحة تحت قيادة واحدة، مما قد يعزز الفعالية العسكرية في مواجهة الحوثيين.
من منظور الاستقرار الإقليمي، ينبغي أن يكون الهدف الأسمى هو تشكيل تحالف فعّال قادر على احتواء خطر الحوثيين، ويبقى القرار الأخير للشعب اليمني بشأن ما إذا كان هذا التحالف سيعمل في إطار دولة يمنية موحدة أو عبر تقسيم نهائي.
أرجع هيستين سبب كون حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي مثيرًا للقلق إلى أنه ينذر بتفكيك عدد من أكفأ الوحدات العسكرية اليمنية المناهضة للحوثيين، ويقضي على مشروع -مع أنه غير مكتمل -جسّد تطلعاتٍ إلى نموذج حكم معتدل نسبيًا في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
- ما دلالة حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي على مستقبل اليمن؟
قال هيستين إن حلّ المجلس الانتقالي وتهميش النفوذ الإماراتي، يعني أن السعودية قد جددت التزامها تجاه اليمن فعليًا حرصًا على أمنها القومي. وبهذه الطريقة، قد تجد نفسها خاضعة لقاعدة "Pottery Barn" التي وضعها كولن باول. (7) وقد يتبين أيضًا أن هذا خطأ في تقديرات الرياض، إذ لم يعد الاستمرار في نهجها السابق بالانسحاب خيارًا مجديًا.
تتمثل تداعيات ذلك على الإمارات في ضرورة تبني سياسة خارجية أكثر انضباطًا في المناطق التي تفوق فيها أولويات الرياض أولويات أبوظبي، أو المخاطرة باستعداء جارتها الأكبر حجمًا وشريكتها الاستراتيجية. مع ذلك، فمن غير المرجح أن تكون التوترات بين الدولتين الخليجيتين سمة دائمة لنظام "خليجي جديد"، بل هي بالأحرى تعكس تباينًا مؤقتًا ناتجًا عن التطورات على أرض الواقع، كما شهدت المنطقة في الخلاف بين قطر وجيرانها قبل قرابة عقد؛ ولذلك، يبدو أن التوصل إلى تسوية في نهاية المطاف أكثر ترجيحًا من استمرار العداء، مع أن مدة هذه المرحلة قد تعتمد على ما تطالب به السعودية الإماراتيين في اليمن والتنازلات التي ستكون أبوظبي مستعدة لتقديمها. إحدى أبرز بؤر التوتر المحتملة هو زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي: فإذا لجأ إلى الإمارات في الوقت الذي يقوض فيه المساعي السعودية في اليمن، فقد تضغط الرياض من أجل تسليمه، مما سيؤدي إلى تصعيد حاد للنزاع.
فيما يتعلق بإسرائيل، قال هيستين إن التوترات السعودية الإماراتية تضيف بُعدًا آخرًا من التعقيد إلى معالجة خطر الحوثيين. وينبغي لإسرائيل، نظرًا لتنامي مكانتها العسكرية في المنطقة، واعترافها بصوماليلاند، ونفوذها الكبير في واشنطن، أن تسعى للمساعدة في إدارة التوترات بين القوى المناهضة للحوثيين عبر تحفيز التعاون بين أعضائها. ينطوي التدخل على مستوى أوسع على مخاطر حقيقية، منها احتمال إبعاد شريك أو أكثر خلال الوساطة، كما أن اتخاذ موقف محايد له ثمنه أيضًا: فهو يحد من قدرة إسرائيل على التأثير في مجريات الأحداث، وقد يُبقي جنوب اليمن غارقًا في صراعات داخلية بدلًا من مواجهة الحوثيين والخطر الذي يمثلونه على الاستقرار الإقليمي.
في سياق متصل، ذكر موقع جيروزاليم بوست، أن اليمن تحوّل من مصدر قلق هامشي بالنسبة لإسرائيل إلى تحدٍّ أمني مباشر.
يُعدّ البحر الأحمر شريانًا استراتيجيًا حيويًا، وعدم الاستقرار على طول مضيق باب المندب يُهدد التجارة الإسرائيلية، وأمن الطاقة، وحرية الملاحة البحرية. اليمن المنقسم بين حلفاء الخليج المتنافسين والقوات المُتحالفة مع إيران ليس أزمة إنسانية بعيدة، بل هو تهديد قائم.
تتفاقم خطورة قدرات الحوثيين على الملاحة الإقليمية، التي سبق إثباتها، مع انهيار الردع العربي.
إن الحوثيين اليوم أقوى ليس لأن طهران زادت استثماراتها، بل بسبب تفكك تحالف أعدائهم، وكل خلاف سعودي إماراتي بشأن الميليشيات، والموانئ، ومناطق النفوذ قد وفر بيئة عملياتية لإيران بأقل تكلفة. لم يعد الاستراتيجيون الإيرانيون بحاجة إلى تصعيد كبير في اليمن، لأن تآكل وحدة الخليج قد حقق غايتهم.
هل يعني انهيار المجلس الانتقالي الجنوبي نهاية النفوذ الإماراتي في اليمن؟
ذكر موقع ماكور ريشون، في 17 يناير 2026، أن انهيار المجلس الانتقالي الجنوبي لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ الإماراتي في اليمن. إن التطلع إلى الاستقلال في جنوب اليمن لم يبدأ مع ظهور المجلس الانتقالي، ولن يزول بمجرد فقدانه السلطة.
بعد أيام قليلة من دفع المجلس الانتقالي إلى مدينة عدن، تظاهر الآلاف في المدينة رافعين أعلام جنوب اليمن ويهتفون "الاستقلال أو الموت".
يُمثل المجلس تطلعًا سياسيًا حقيقيًا، وسيتعين على السعودية أخذه بعين الاعتبار. قد يُشكل هذا أساسًا لنفوذ إماراتي طويل الأمد في اليمن، حتى بدون وجود عسكري علني.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق