أورد موقع صحيفة معاريف، في 8 يناير 2026، تقديرات أسندها لمصادر أمنية في اليمن -دون أن يوضح طبيعة هذه المصادر أو ما إذا كانت قد تحدثت للصحيفة مباشرة أو نقلًا عن تقارير أخرى -بأن ضبط النفس النسبي الذي أبدته جماعة الحوثيين أخيرًا، مقارنة بالفترات السابقة التي اتسمت بالتصعيد اللفظي والتهديدات العلنية، ليس وليد الصدفة ولا نتيجة ضعف. وفقًا لهذه المصادر، إنها خطوة مدروسة في إطار استعدادات إيران الموسعة لمواجهة مستقبلية محتملة مع إسرائيل.
على ضوء تفاقم التوترات في الساحة الإقليمية المحيطة بإيران، يبدو أن الحوثيين يُعدّلون نهجهم السياسي والإعلامي، مع الحرص على خلق فجوة بين التصريحات العدائية والعمل العسكري الفعلي. تشير التقارير إلى أن اليمن لا يُنظر إليه باعتباره ساحة صراع مباشرة، بل ورقة ضغط يمكن استثمارها في اللحظة الملائمة، بما يتوافق مع احتياجات طهران الاستراتيجية.
ووفقًا لمصادر أمنية في اليمن، فقد عُقدت في الأشهر الأخيرة اجتماعات سرية بين قادة ميدانيين حوثيين ومسؤولين عسكريين في الحرس الثوري الإيراني. خلافًا للتوقعات، لم تتناول المناقشات الاستعدادات لهجمات شاملة، بل ركزت على بلورة دور "غير مباشر": إحداث اضطراب اقتصادي وبحري إذا نشب صراع شامل بين إيران وإسرائيل.
ذكر موقع معاريف أن هذه التقييمات تتسق مع تقارير وتحليلات معاهد بحثية غربية وإسرائيلية، تفيد بأن إيران تعيد هندسة دور جماعة الحوثيين في إطار ما يُعرف بـ"اقتصاد الردع"، أي إلحاق أضرار اقتصادية جسيمة دون الانجرار إلى حرب شاملة تُضعف حلفاءها.
جدير بالذكر أن مراسل "معاريف" العسكري، آفي أشكنازي، قال إن جماعة الحوثيين منشغلة حتى النخاع بصراعاتها الداخلية، ويبدو أنها عاجزة حاليًا عن بناء منظومة هجومية موجهة نحو الخارج، وهو ما يزيد الإحباط في طهران. تقدر إسرائيل أن اتفاقية الاعتراف المتبادل بين إسرائيل وأرض الصومال (صوماليلاند) أسهمت في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية تجاه الحوثيين. وفقًا للتقديرات الحالية، من غير المحتمل أن يتمكن الحوثيون حاليًا من المشاركة في العمليات الهجومية على إسرائيل، إذا تجدد القتال في لبنان أو غزة أو إيران.
وفقًا للمصادر، تلقى الحوثيون تعليمات بالتخلي عن نمط الهجمات الصاروخية الاستعراضية، والتركيز على وسائل أقل تكلفة وأكثر فعالية؛ لخلق مناخ دائم من انعدام الأمن في الممرات الملاحية الرئيسية، بما يؤثر مباشرة على شركات الشحن والتأمين. تُوصف هذه الاستراتيجية بأنها "حرب أعصاب بحرية": لا حاجة لإغراق السفن أو توجيه ضربات مباشرة، بل رفع مستوى الخطر المُتصوَّر. يكفي حادث محدود، أو تهديد مُركَّز لتغيير مسارات الشحن وزيادة التكاليف - دون تكبّد ثمن عسكري أو سياسي باهظ.
بحسب المعلومات، يعمل الحوثيون على ثلاثة مستويات متكاملة:
· المسار الأول يتضمن استخدام طائرات مسيّرة بعيدة المدى، ليس بالضرورة لغرض الهجوم، بل للتحليق بالقرب من السفن التجارية أو الهبوط المُخطط له بالقرب منها، وهي خطوة تؤدي إلى حالة تأهب دائمة، وارتفاع سريع في أقساط التأمين البحري.
· المسار الثاني يعتمد على الألغام البحرية البسيطة أو شبه الذكية، التي يُمكن زرعها في نقاط حساسة بدون تحمل المسؤولية الرسمية. تشير الدراسات الغربية إلى أن مجرد الشك في وجود ألغام قد يعطل حركة الملاحة البحرية مؤقتًا، ويؤثر فورًا على سلاسل الإمداد.
· المسار الثالث يتضمن شن هجمات انتقائية على السفن المرتبطة بإسرائيل، وهو تعريف فضفاض يشمل الملكية، والتشغيل، والوجهة النهائية. يسهم هذا الغموض في توفير قابلية الإنكار، ويعقد إمكانية شن رد عسكري شامل.
باب المندب - نقطة الضعف
تقدر دراسات إسرائيلية أن تحويل بؤرة الضغط من خليج هرمز إلى مضيق باب المندب يمنح إيران ميزة واضحة. ففي حين يخضع الخليج لإشراف عسكري مشدد، يُنظر إلى البحر الأحمر على أنه ساحة أقل تحصينًا، حيث تتقاطع المصالح الدولية في ظل غياب إطار أمني موحد. يمر نحو 12 إلى 15% من التجارة العالمية عبر باب المندب، وأي اضطراب هناك يؤثر مباشرة على حركة المرور إلى قناة السويس؛ لذلك، فإن اضطرابًا محدودًا قد يكون أكثر فعالية من عملية عسكرية واسعة قد تستدعي رد فعل دولي قوي.
في هذا السياق، صرح مصدر عسكري إسرائيلي لصحيفة معاريف بأن إسرائيل تُقدّر أن العلاقات مع أرض الصومال، الواقعة في الجهة المقابلة لمضيق باب المندب، ستُسهّل التخطيط لتنفيذ عمليات هجومية، حتى في عمق اليمن، إلا أن المؤسسة الدفاعية ترفض تحديد مستوى العلاقات العسكرية بينهما. أضاف المصدر: "إن العلاقات العلنية مع أرض الصومال توفر لسلاح الجو الإسرائيلي هامشًا أوسع من الخيارات العملياتية. وبلا شك، تُعد هذه الخطوة مهمة للغاية لذراع إسرائيل الطويلة".
عمومًا، لا يُنظر إلى الحوثيين باعتبارهم جبهة قتال مباشرة، بل وسيلة محسوبة لزعزعة الاستقرار ضمن حملة أوسع. وسيلة يمكن استغلالها عند الضرورة؛ لتقويض شرايين الاقتصاد العالمي، وإيصال رسالة بأن المواجهة المستقبلية لن تقتصر على ساحات المعارك التقليدية.
التقرير نشر لأول مرة على مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية
https://sanaacenter.org/ar/translations/26413

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق