من أنا

صورتي
Egypt
أحمد الديب هو باحث في الشأن الإسرائيلي ومترجم من اللغة العبرية، يُعدّ تقارير الترجمة والرصد الدورية للمصادر العبرية في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، مع تركيز على الإعلام الإسرائيلي، ومراكز الأبحاث، والخطاب السياسي المرتبط باليمن والمنطقة. حصل على درجة الماجستير في اللغة العبرية وآدابها من كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر في القاهرة. شغل سابقًا منصب المشرف على صفحة «اليمن بعيون إسرائيلية» في مركز سبأ للدراسات الاستراتيجية (2012–2014)، كما ساهم في إعداد دراسات وتحليلات ضمن وحدة الدراسات الإسرائيلية والفلسطينية في مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم الوطنية بالقاهرة، إلى جانب مساهماته في عدد من المؤسسات البحثية.

السبت، 15 أغسطس 2026

الجبهة الإقليمية القادمة: الحملة على الحوثيين في اليمن

قال أوهاد ميرلين، على موقع بشيفع أونلاين، في 7 يوليو 2026، إن التطورات الأخيرة في اليمن تشير إلى أن الهدنة الهشة التي سادت بين الحوثيين والسعوديين منذ عام 2022 ليست محسومة ولم تُحقق استقرارًا حقيقيًا. لقد شهد الأسبوع الماضي تصعيدًا في عدة مناطق: هجومٌ للحوثيين جنوب الحديدة، أسفر، بحسب التقارير، عن مقتل ما لا يقل عن 16 جنديًا من القوات الحكومية اليمنية المعترف بها؛ ومزيدٌ من الاشتباكات بين القبائل وقوات الحوثيين؛ وتقارير عن هجمات غامضة استهدفت البنية التحتية العسكرية للحوثيين في شمال اليمن؛ وتفاقم التهديدات بين الحوثيين والسعودية. وتعرضت أيضًا سفينة لهجوم قبالة سواحل اليمن في البحر الأحمر، ما يُذكّر بأن أي تصعيد على الساحة الداخلية قد يُؤثر سريعًا على خطوط الملاحة الإقليمية.

ومن بين بؤر التصعيد الأخرى، محاولة طائرة تابعة لشركة "ماهان إير" الإيرانية الهبوط في صنعاء لنقل مسؤولين حوثيين رفيعي المستوى للمشاركة في موكب جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، الذي اغتيل. كان هذا تحديًا سافرًا ومباشرًا للحصار الجوي الذي فرضته السعودية على صنعاء، التي تعد العاصمة اليمنية أرضًا محتلة، ومن ثم فإنها ترى في هذه التحركات انتهاكًا لسيادة الحكومة اليمنية "الشرعية" - حليف السعودية.

تصاعدت حدة الموقف عندما انطلقت طائرات حربية سعودية لمنع الطائرة من الهبوط في صنعاء، وردًا على ذلك، فعّل الحوثيون أنظمة دفاعهم الجوي وأطلقوا النار على الطائرات السعودية بهدف إسقاطها. بعد ذلك، واصل الحوثيون تهديدهم بضرب المطارات والبنية التحتية الحيوية في السعودية إذا انتهكت الرياض، كما زعموا، المجال الجوي اليمني مجددًا. من جانبه، رد التحالف الذي تقوده السعودية بتهديد شديد اللهجة، محذرًا من أن أي محاولة لإلحاق الضرر بالمملكة ستواجه "بحزم وقوة غير مسبوقين".

 

سياسة السعودية المزدوجة في اليمن

قال ميرلين إن هذه الأحداث مهمة للغاية، ليس فقط لما تنطوي عليه من خطر عسكري مباشر، بل أيضاً لأنها تُلقي بظلالها على سياسة السعودية المزدوجة الحالية: فمن جهة، تواصل الرياض مساعيها لترسيخ علاقاتها مع طهران، بل وتدعم، وفقاً لتقارير عديدة، مسار إعادة دمج إيران إقليمياً. ولذا، كان حضور نائب وزير الخارجية السعودي في جنازة علي خامنئي في طهران بمثابة رسالة مفادها أن السعودية لا ترغب في العودة إلى المواجهة المباشرة مع إيران، وأنها تسعى للحفاظ على قنوات التواصل حتى في أوقات التوتر.

ومن جهة أخرى، لا تزال الساحة اليمنية تمثل المجال الذي تستطيع إيران عبره اختبار حدود صبر السعودية دون دفع ثمناً مباشراً بالضرورة. فالحوثيون يُمكّنون طهران من ترسيخ نفوذها على السعودية والبحر الأحمر ومضيق باب المندب، مستخدمةً مساحة الإنكار والقدرة على التصعيد أو التهدئة وفقاً لاحتياجاتها الإقليمية.

من وجهة نظر إيران، لا يقتصر دور الحوثيين على كونهم حليفاً أيديولوجياً أو عسكرياً فحسب؛ بل هم رصيد استراتيجي يربط بين الضغط على إسرائيل، وتهديد الملاحة الدولية، والقدرة على تحدّي السعودية على حدودها الجنوبية.

وقد أدى ذلك إلى سياسة الفصل التي تنتهجها السعودية: إذ تسعى الرياض إلى الفصل بين التعامل مع إيران باعتبارها دولة يجب فتح قنوات دبلوماسية معها، والحوثيين بصفتهم قوة عسكرية-أيديولوجية تُواصل تهديد أمنها المباشر. إلا أن هذا تمييزًا ليس بالأمر اليسير، لأن الحوثيين عمليًا أحد الأدوات الرئيسة التي تستخدمها إيران للحفاظ على نفوذها في شبه الجزيرة العربية. لكن بالنسبة للسعودية، فإن التخلي عن هذا الفصل قد يُجرّها إلى حرب أوسع في اليمن، في الوقت الذي تسعى فيه لحماية استقرارها الداخلي، ورؤية 2030، وبنيتها التحتية للطاقة، وحرية الملاحة في البحر الأحمر.

تجدر الإشارة إلى أنه بالإضافة إلى الضغط العسكري والسياسي الذي تمارسه أحيانًا، فإن الرياض لا تمانع أيضًا في فتح قنوات دبلوماسية مباشرة مع الحوثيين.

وتُثير هذه السياسة السعودية جدلاً واسعاً بين المحللين في المنطقة. يزعم البعض أن الرياض تدفع للحوثيين أموالًا مقابل حماية اقتصادية وسياسية في إطار التفاهمات المختلفة، شريطة أن يوجهوا نيرانهم بعيداً عن البنية التحتية النفطية ورؤية التنمية السعودية. في المقابل، يعتقد محللون آخرون أن هذا ادعاء مضلل، وأن السعودية تستغل الوقت لبلورة خطة هجوم جديدة سراً، وحشد قواتها استعداداً لمعركة حتمية.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الانقسامات العميقة داخل التحالف المناهض للحوثيين، ولا سيما التوتر القائم بين السعودية والإمارات في جنوب اليمن. في حين دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، الذي شكّل قوة كابحة فعالة ضد الحوثيين أكثر من القوات الموالية للحكومة الشرعية، تحركت السعودية بقوة لقمع تطلعاتهم وإخراج الإمارات من البلاد.

كان لهذه الخطوة نتيجتان: أولاً، إضعاف قوة قتالية ماهرة. ثانياً، يرى مؤيدو الموقف السعودي أن القضاء على التطلعات الانفصالية قد يُتيح أخيراً للقوات المحلية التوحد تحت مظلة الحكومة الشرعية، مما يُهيئ أرضية أكثر استقراراً وتماسكاً لمواجهة تهديد الحوثيين مستقبلاً.

التعامل مع الحوثيين كجبهة إقليمية

لذا، لا تُنذر الأزمة الحالية بالضرورة بحرب وشيكة، لكنها تُشير أيضاً إلى تآكل خطير لآليات الاحتواء. لقد عاد اليمن ليصبح ساحة اختبار: هل ستتمكن السعودية من احتواء الحوثيين دون التضحية بمسار الحوار مع إيران؟ وهل ستختار إيران كبح جماح وكيلها أم ستستخدمه لتعزيز مواقعها في ساحات أخرى؟

بالنسبة لإسرائيل والمنطقة بأسرها، المعنى واضح: لم تعد الساحة اليمنية جبهة هامشية، بل أصبحت ركيزة أساسية في الجهود الرامية لضمان حرية الملاحة، ومعادلة الردع ضد إيران، وقدرة دول المنطقة على فصل الدبلوماسية عن استخدام القوة عبر الوكلاء.

هذا الواقع المعقد يُظهر بوضوح أن إسرائيل لا تستطيع - ولا تحتاج - إلى التعامل مع تهديد الحوثيين بمفردها. إن تحوّل الحوثيين إلى تهديد عالمي وإقليمي أحدث تقاربًا نادرًا في المصالح بين إسرائيل والرياض وأبو ظبي والقاهرة وعواصم أخرى في المنطقة وخارجها.

بفضل العمل الدبلوماسي والاستخباراتي الدقيق والحساس، تمتلك إسرائيل قدرات تكنولوجية، وعملياتية، واستخباراتية كبيرة يمكنها المساهمة بها في منظومة الدفاع الإقليمية ضد الحوثيين. وقد يكون هذا التعاون الهادئ مفتاحًا لكبح جماح ذراع الأخطبوط الإيراني في البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تقاطع أزمات الحوثيين الخارجية والداخلية: هل يُمكن لحل تكتيكي أن يُعالج مشكلة استراتيجية؟

قال أري هيستين ، على موقع thecipherbrief ، في 10 أغسطس 2026، إن الحوثيين ي ُ طلقون عشرات الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز على...