قال أري هيستين [1]، على موقع يديعوت أحرونوت، في 7 يناير 2026، إن الحوثيين يفرضون قيودًا مشددة على الوصول إلى المعلومات الموثوقة، بينما ينشرون بفاعلية معلومات مضللة. ويضيف أن التحكم في المعلومات هي أحد أركان قوة للحوثيين، خصوصًا فيما يتعلق بمكانة كبار المسؤولين، غير أنه يبرز أيضًا مواطن ضعف مهمة.
بعد أشهر من انتهاء الحملات العسكرية
الأمريكية والإسرائيلية على الحوثيين، لم تتسرب المعلومات بشأن مقتل كثير من
الشخصيات البارزة إلا بوتيرة بطيئة للغاية. لقد أعلنوا "استشهاد" رئيس
هيئة أركان الجماعة، محمد عبد الكريم الغماري، في منتصف أكتوبر، بينما كشفوا عن وفاة
زكريا حجر، رئيس برنامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، في أواخر ديسمبر.
ويعتقد في الحالتين أن الاغتيالات نُفذت
قبل الإعلان عنها بأشهر. مع ذلك، لم يُعلن عن تعيين خليفة إلا في حالة الغماري بعد
الإقرار بوفاته. في المقابل، قُتل نحو اثني عشر عضوًا بارزًا في حكومة الحوثيين
أواخر أغسطس. وقد أُعلن عن وفاتهم في غضون أيام، لكن لم يُعيّن بديل لهم حتى الآن.
للوهلة الأولى، تبدو هذه الاستجابات متناقضة. لكن بعد التمحيص، نجد أنها تعكس نهجًا
متماسكًا يفرق بين الشخصيات السياسية والعسكرية، وبين المسؤولين الذين يظهرون
للعلن وعناصر الأمن السرية.
يكرس الحوثيون موارد كبيرة لإظهار قوة
الردع داخليًا وخارجيًا، ويديرون بعناية أي تطورات قد تُقوّض هذه الصورة. تُشكّل
الاغتيالات تحديًا خاصًا، لأن الضربات الناجحة قد تُشجّع الخصوم، وتُضعف تصورات
صمود الجماعة، وتُشجّع على شنّ هجمات لاحقة. لذا، يأتي ردّ الجماعة مُدروسًا
بعناية وغير موحد.
يتجلى هذا المنطق في تعامل الحوثيين مع اغتيالات
الزعماء السياسيين. لقد أقروا بمقتل صالح الصماد، الرئيس الفعلي للحوثيين، في غارة
جوية سعودية في أبريل 2018، في غضون أربعة أيام، وأعقب ذلك مباشرةً تعيين خليفة له
ذي خلفية قبلية مماثلة. توحي سرعة الاستجابة إلى استحالة إخفاء الضربة، أو أن مقتل
الصماد لم يُنظر إليه على أنه حدث مزعزع للاستقرار بما يكفي لتبرير التكتم لفترة
طويلة. والأهم من ذلك، لأن منصب الرئاسة لو ترك شاغرًا كان سيقوض مزاعم الجماعة
بالسيادة.
ويبدو أن استجابة الحوثيين الأولي على
الغارة الجوية الإسرائيلية في أغسطس 2015، التي أسفرت عن مقتل كثير من أعضاء حكومة
الحوثيين، اتسمت بمنطق مشابه. وكما في حالة الصماد، كان معظم المستهدفين شخصيات
سياسية بارزة. وقد عُيّن كثير منهم لإضفاء وهم وجود ائتلاف حاكم واسع النطاق بدلًا
من حكم يقتصر على نخبة هاشمية ضيقة. وقد أكدوا وفاتهم في غضون أيام.
ويكمن الاختلاف فيما تلا ذلك. بعد مرور
أكثر من مئة يوم، لا تزال مناصب وزارية رئيسية، منها رئاسة الوزراء ووزارات
الإعلام والخارجية والاقتصاد، شاغرة. ويُعدّ هذا التأخير لافتًا في ظلّ التحديات المتنامية
التي تواجهها الجماعة في إدارة شؤونها. وبينما قد يُفسّر محدودية عدد المرشحين غير
الهاشميين الموثوق بهم جزئيًا في هذه المناصب، إلا أنه على الأرجح لا يُفسّرها
بالكامل. ثمة تفسير آخر يتمثل في أن هذه الشواغر نفسها تخدم غرضًا سرديًا: يمن
للجماعة عبر ترك المناصب الإدارية الرئيسة شاغرة من أن تُعزي اختلالاتها إلى
الضربة الإسرائيلية بدلًا من سوء إدارتها. تاريخيًا، استخدم الحوثيون التعديلات
الوزارية لصرف الأنظار عن الانتقادات وإظهار نيتهم لتصحيح الأوضاع، ويبدو أنهم يحتفظون
بهذه الاستراتيجية لاستخدامها مستقبلًا.
ويختلف ردّ الحوثيين أيضًا عندما يتعلق الأمر
بكبار المسؤولين الأمنيين الذين يحافظون على حضورهم الإعلامي. على سبيل المثال،
كان محمد الغماري شخصية بارزة يظهر بانتظام في فعاليات الجماعة ويُصدر بيانات
عامة. بعد الضربة، استمر تداول بيانات مكتوبة منسوبة إليه، تضمنت نفياً يعتبر
التكهنات بوفاته دليلاً على فشل إسرائيل. جرى التكتم على وفاته لما يقارب خمسين
يوماً قبل الإعلان الرسمي عنها، دون الكشف عن ملابساتها، وتزامن ذلك مع الإعلان
الفوري عن تعيين خليفة له يحمل سمات مشابهة. كان البديل مؤيداً للحوثيين منذ فترة
طويلة، في الأربعينيات من عمره، وينتمي إلى عائلة هاشمية مرموقة، ومن نفس منطقة
مدان في محافظة عمران التي ينتمي إليها سلفه.
لقد اختار الحوثيون توقيت الإعلان عن
وفاته بعناية. فقد جاء عقب وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، وتزامن مع ذكرى
وفاة يحيى السنوار. وقد ساهمت تلك الفترة التي اتسمت بالهدوء في تقليل خطر تشجيع
إسرائيل على شنّ المزيد من الضربات، وسمحت بتصوير مقتل الغماري بأنه في إطار
النضال الفلسطيني، وليس نتيجة تصعيد متهور. في هذه الحالة، لقد ساهم التكتم في
الحد من الضرر الذي لحق بسمعة الجماعة، وقلل من دوافع شنّ هجمات لاحقة عند الضرورة،
بينما أظهر الإعلان عن وفاته بطريقة محسوبة استمرارية والتزامًا أيديولوجيًا.
إذا ثبت في نهاية المطاف صحة ما أفادت
به بعض التقارير من تصفية وزير الداخلية عبد الكريم الحوثي ووزير الدفاع محمد
العاطفي، فمن المرجح أن يكون رد الحوثيين مماثلاً لرد فعلهم على مقتل الغماري. ومن
المرجح الإعلان عن وفاتهم في وقت مناسب، مصحوبًا بإعلانات فورية عن تعيين خلفاء ذوي
سمات مماثلة. كما يُرجّح أن يكشف عن كل وفاة على حدة لتجنب إعطاء انطباع بأن
الحركة تمر بفترة من الضعف الشديد.
مع ذلك، تطبق أعلى درجات السرية على
كبار المسؤولين الأمنيين الذين يعملون في الخفاء التام. يبدو أن زكريا حجر، قائد
الصواريخ والطائرات المسيّرة لدى الحوثيين، قد قُتل قبل نحو تسعة أشهر من الإعلان
عن وفاته، ولا تزال الجماعة تتكتم على معلومات بشأن توقيت ومكان الاغتيال. على عكس
حالة الغماري، لم يُعلن عن خليفة له. يُرجّح أن هذا الصمت يعكس حساسية المنصب، إذ
يُفترض أن هوية الشخص الذي تولّى مسؤوليات حجر محاطة بالسرية.
تشير هذه الحالات مجتمعةً إلى أنّ نهج
الحوثيين في الاغتيالات يتبع منطقاً ثابتاً أكثر منه نمطاً غير منتظم. تعتمد
قرارات الإنكار أو الإقرار أو الاستبدال على أساس شهرة الشخص، والأهمية الرمزية
للمنصب، والتأثير المتوقع على الرأي العام. تُخفى الوفيات عندما تحافظ السرية على
الردع والتماسك الداخلي، ويُعلن عنها عندما يكون ذلك آمنًا أو ضروريًا، ويُصاحبها تعيين
بديل في السلطة مُخطط له بعناية عند الحاجة لإثبات الاستمرارية.
يعكس هذا النهج جهدًا مُتعمدًا لفصل
التداعيات السياسية والنفسية للاغتيالات عن آثارها العملياتية. مع أن التكتم لن يُعوّض
فقدان الكوادر، إلا أن التحكم في توقيت الإعلان عن هذه الخسائر وطريقة صياغتها
يُؤثر على كيفية إدراك الجماهير المحلية والأجنبية. يسعى الحوثيون، عبر إدارة
عملية الإعلان عن وفاتهم، إلى الحد من الضرر الذي يلحق بسمعتهم، والحد من تصور
الخصوم عن تفوقهم الاستخباراتي أو نجاحهم العملياتي، مع المحافظة على حالة من
الغموض يكتنف اليمن عمومًا وجماعة الحوثيين خصوصًا.
كما يكشف هذا السلوك ثغرة جوهرية. رغم
خطاب تمجيد الاستشهاد وإظهار عدم الاكتراث بالقتل المُستهدف، إلا أن الحوثيين
يُكرّسون جهودًا جلية للتخفيف من آثار هذه الضربات. بالنسبة لإسرائيل وغيرها من الفاعلين،
يشير هذا إلى ضرورة عدم تقييم الاغتيالات من حيث آثارها العسكرية فحسب، بل أيضاً
من حيث تأثيرها الإعلامي. فالكشف الانتقائي عن المعلومات، أو نشر معلومات يصعب على
الحوثيين دحضها بطريقة مقبولة، قد يفاقم الضغط على الجماعة. وتبرز هذه الثغرة بشكل
خاص بين جماعة تعتمد اعتماداً كبيراً على السلطة الشخصية من شبكات النخبة الهاشمية،
وقبل كل شيء، على السرية.
الهوامش
[1]- أري هيستين: زميل غير مقيم في مشروع مكافحة التطرف، نشر
تقارير تتناول بنية الحوثيين المالية، وإساءة استخدامهم لتكنولوجيا الاتصالات
السلكية واللاسلكية، واستهدافهم للأقليات الدينية، واضطهاد النساء والصحفيين، عمل
أيضًا في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS). تتركز أبحاثه على سياسة
الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية، والعلاقات الأمريكية الإسرائيلية.
والاستراتيجية الإسرائيلية المتعلقة بإيران والحرب الأهلية في اليمن.
التقرير نشر في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق