الاثنين، 19 يناير 2026

تصاعد التوتر في جنوب اليمن يكشف عمق الفجوة بين السعودية والإمارات

 

قال يوئيل جوزانسكي ]1[، على موقع معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، في 14 ديسمبر 2025، إن جنوب اليمن شهد تحولاً استراتيجياً جذرياً: فقد سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي، بدعم كامل من الإمارات، على عدن، ومحافظة حضرموت الغنية بالموارد، ومؤسسات حكومية رئيسة بشكل سريع. وفرّت الحكومة اليمنية المعترف بها إلى الرياض، ورُفرف علم جنوب اليمن مجدداً فوق المباني الحكومية في عدن. وبذلك، فقدت اليمن صفة الدولة الموحدة، وباتت كيانين بحكم الأمر الواقع: شمالٌ يسيطر عليه الحوثيون، وجنوبٌ موالٍ للإمارات.

وأشار جوزانسكي إلى أن هذا التحول يعكس فشل الإطار الذي أرسى منذ عام 2015: تحالفٌ ضعيفٌ ومتشرذمٌ موال للسعودية ويعتمد على عناصر خارجية. وفيما يتعلق بالحوثيين إنه مكسب فوري، لأن خصومهم غارقون في صراعات داخلية، وجبهتهم مفككة. لكن على المدى المتوسط، يبرز تهديد جديد: سيطرة قوة جنوبية منضبطة، ومنظمة، ومدعومة اقتصادياً وعسكرياً على السواحل والموانئ وطرق التهريب إلى الحوثيين، وهو أمر بالغ الأهمية بحد ذاته. إنها أول جهة فاعلة لا يقتصر دورها على كونها "معادية للحوثيين"، بل تمتلك قدرات حكومية وعسكرية فعلية.

ويكشف هذا الحدث أيضاً عمق الفجوة بين السعودية والإمارات. فبينما تواصل الرياض التزامها، على الأقل ظاهرياً، بوحدة الأراضي اليمنية، أنشأت أبو ظبي كيانًا جنوبيًا بديلًا. والنتيجة: إزاحة السعودية من الجنوب، والإمارات تُشكّل واقعاً جديداً على الحدود الجنوبية لشبه الجزيرة العربية.

وفيما يتعلق بتأثير ذلك على إسرائيل،  قال جوزانسكي إن خطر الحوثيين لن يزول على المدى القريب. بل إن تقسيم اليمن يُسهّل عليهم ترسيخ وجودهم في الشمال والحفاظ على استمرارية الحكم. لكن في الوقت ذاته، تلوح في الأفق فرصة استراتيجية سانحة: كيان جنوبي مستقر، يعتمد على الإمارات، يسيطر على ميناء عدن المهم، القريب من باب المندب، ويحدّ من النفوذ الإيراني في هذا المجال البحري الحيوي لإسرائيل. وقد ألمح الزبيدي، زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي، سلفًا إلى إمكانية الانضمام مستقبلاً إلى اتفاقيات أبراهام.

وأوصى جوزانسكي بضرورة أن تدرك إسرائيل حقيقية أن الجنوب ليس موالياً لها، بل للإمارات. والحل ليس في التقارب مع إسرائيل، بل في إدارة حكيمة عبر أبو ظبي، مع مراعاة التنافس بينها وبين السعودية. إن جنوب اليمن يتجاوز كونه قضية محلية، بل هو مسار جديد للصراع الإقليمي على البحر الأحمر، ويحمل في طياته فرصاً واعدة، إذا أُدير بطريقة صحيحة.

في سياق متصل، قال تسفي برئيل ]1[، على موقع هاآرتس، في 12 ديسمبر 2025، إن التنافس بين الحكومة المعترف بها والمجلس الانتقالي الجنوبي ليس مجرد صراع سياسي داخلي يقتصر على اليمن بل إنه يُؤجج الصراع بين الرياض وأبوظبي؛  لأن السعودية لا تزال تسعى لتوحيد اليمن، بحيث يكون الحوثيون جزءًا من الحكومة لوضع حد للتهديد الذي يُمثلونه على السعودية وحركة الملاحة في البحر الأحمر، بينما تتبنى الإمارات رؤية استراتيجية مغايرة.

وأشار إلى أن الإمارات ترى أن تقسيم اليمن إلى دولتين أو حتى ثلاث - جنوب اليمن، ووسط اليمن، والمنطقة الخاضعة لسيطرة الحوثيين - سيمنحها موطئ قدم، بل وسيطرة على حقول النفط والموانئ الاستراتيجية، وعلى رأسها عدن.

ولذا، ترى الإمارات، أن سيطرة الزبيدي على حضرموت والمهرة تعد استكمالًا لسيطرته السابقة على أرخبيل سقطرى. لقد أنشأت الإمارات قواعد عسكرية على هذه الجزر، وتشير تقارير أجنبية إلى أنها تستضيف أيضًا قاعدة أو أكثر من القواعد الإسرائيلية.

وبشأن الحرب على الحوثيين، يبدو أن أبوظبي، منذ أن استأنفت علاقاتها مع إيران عام 2022، قد أخرجت الحوثيين من أولوياتها تاركة مهمة التصدي لهم للسعودية، متمنيةً للرياض التوفيق.

كما قال برئيل إن السعودية والإمارات تُديران صراعاتهما الإقليمية على النفوذ في اليمن والسودان عبر النزاعات المحلية. ويأتي هذا على حساب مئات الآلاف من الأرواح ونزوح ملايين آخرين.

يُنظر إلى السودان على أنه سلة غذاء دول الخليج عمومًا، والإمارات خصوصًا. اشترت الأخيرة أكثر من 1.5 مليون دونم من الأراضي الزراعية في السودان، واستثمرت في المزارع ومصانع الأغذية. إلى جانب ذلك، يُعد السودان، الذي يسيطر على نحو 700 كيلومتر (نحو 434 ميلًا) من الساحل على البحر الأحمر، زخرًا استراتيجيًا محتملًا لأي قوة إقليمية وعالمية.

إن التحكم في سواحل السودان جزءًا لا يتجزأ من النهج الاستراتيجي للرياض وأبوظبي، تمامًا كما هو الحال مع سواحل اليمن وموانئه، التي تعد معاقل مغرية للنفوذ.

لا تزال الجهود الدبلوماسية في اليمن والسودان بعيدةً عن تحقيق أي إنجازات حقيقية. صحيح أن السعودية والحوثيين وقّعوا اتفاق وقف إطلاق النار عام 2022، الذي لا يزال ساريًا، ولكن للتوصل إلى اتفاق يضمن تشكيل حكومة موحدة في اليمن وتحقيق مصالحة بين الخصمين في السودان، سيتعين على السعودية والإمارات التوصل إلى تفاهم أولًا.

يُفترض أن الضغط الأمريكي قد يُحقق المعجزة، لكن ذلك سيُجبر ترامب على خوض مواجهة تصادمية مزدوجة مع حليفين مقربين تعهدا باستثمار تريليونات الدولارات في الولايات المتحدة.

ويُشير الحذر المُهذّب الذي أبداه ترامب حتى الآن في حديثه عن الشراكة بين أبو ظبي وحميدتي، وتعليق وزارة الخارجية الأمريكية "بعدم الرد" على سيطرة قوات الزبيدي (الإمارات) على المحافظات الشرقية لليمن، إلى أن الولايات المتحدة ستواصل اتخاذ موقف محايد لا يُثير حفيظة أيٍّ من حلفائها.


]1[- يوئيل جوزانسكي: زميل باحث أول في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) التابع لجامعة تل أبيب، تتركز أبحاثه على سياسات الخليج والأمن. كان زميلًا زائرًا في معهد هوفر ستانفورد. خدم في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي بمكتب رئيس الوزراء، ونسق العمل بشأن إيران والخليج تحت إشراف أربعة مستشارين للأمن القومي وثلاثة رؤساء وزراء. وهو حاليًا مستشارًا لعدة وزارات.


]2[- د. تسفي برئيل: محلل شؤون الشرق الأوسط لدى صحيفة "هاأرتس"، عمل مسبقًا مبعوثًا للصحيفة في واشنطن. ويحاضر "برئيل" في كلية "سابير"، وجامعة "بن جوريون"، ويبحث في سياسة وثقافة الشرق الأوسط. حاز، عام 2009م، على جائزة "سوكولوف" على إنجازاته.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من حزب الله إلى الحوثيين في اليمن: إسرائيل تستعد لرد إقليمي

  ذكر موقع سيروجيم ، في 15 يناير 2026، أن إسرائيل تتأهب لاحتمال ردّ من عدة جبهات، من لبنان إلى اليمن، في خضم تقييمات تشير إلى إمكانية أن تشن...