مع تجدد الغارات.. هل يخسر المشروع الإيراني رهانه الأخير؟
مع تجدد الغارات، عاد سؤال المشروع الإيراني إلى الواجهة أكثر من سؤال الحرب نفسها، فالتصعيد الأخير يأتي كختبار لقدرة طهران على الحفاظ على شبكة النفوذ التي بنتها خلال السنوات الماضية، في وقت تواجه فيه ضغوطاً عسكرية واقتصادية متزايدة، وتراجعاً في نفوذ عدد من حلفائها.
وتأتي هذه التطورات، في ظل بيئة إقليمية تختلف كثيراً عما كانت عليه قبل سنوات، حيث تقلص نفوذ بعض حلفاء إيران، وتعرضت شبكاتها العسكرية والسياسية لضغوط متصاعدة، بينما تحاول إسرائيل استثمار هذه التحولات لفرض معادلة جديدة لا تقتصر على احتواء النفوذ الإيراني، وإنما تستهدف تقليصه وإضعاف ركائزه.
ورغم احتفاظ طهران بأوراق تأثير في أكثر من ساحة، فإن تجدد الحرب يعيد طرح سؤال جوهري: هل يستطيع مشروعها الإقليمي الصمود أمام الضغوط العسكرية والاقتصادية والتحولات التي شهدتها المنطقة، أم أن المواجهة الحالية تمثل بداية مرحلة جديدة في إعادة تشكيل النفوذ في الشرق الأوسط؟
الهدنة المؤقتة.. لماذا عادت الحرب؟
جاءت عودة القتال بعد أسابيع من اتفاق بدا أنه فتح نافذة محدودة لاحتواء التصعيد، حيث سمحت مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، في السابع عشر من حزيران/ يونيو الماضي، بإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف المفاوضات بين الطرفين، في محاولة لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أكبر.
غير أن هذا المسار لم يصمد طويلاً، إذ سرعان ما تبادل الطرفان الاتهامات بخرق التفاهم، قبل أن تستأنف الولايات المتحدة الأميركية ضرباتها على مواقع عسكرية إيرانية، وترد طهران بتوسيع عملياتها، مستهدفة عدداً من دول الخليج بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في تصعيد نقل المواجهة إلى مستوى إقليمي غير مسبوق منذ اندلاع الحرب.
وأعلنت الكويت والبحرين اعتراض معظم المقذوفات، فيما رفعت قطر مستوى التهديد الأمني، وسط إدانات خليجية وعربية، اعتبرت الهجمات الإيرانية انتهاكاً لسيادة الدول، وتهديداً لأمن المنطقة والملاحة الدولية.
وتزامن التصعيد مع استهداف سفن تجارية، في محيط مضيق هرمز، وهو ما أعاد المخاوف بشأن أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية.
ورغم استمرار تدفق الإمدادات، فإن اضطراب حركة الناقلات دفع أسواق الطاقة إلى إعادة تسعير المخاطر، وسط تحذيرات من تداعيات اقتصادية واسعة إذا طال أمد الأزمة.
ويبدو، في نظر مراقبين، أن التطورات الأخيرة تؤكد انهياراً سريعاً لمسار التهدئة، وعودة منطق القوة إلى واجهة إدارة الأزمة، في وقت تتراجع فيه فرص استعادة المسار الدبلوماسي.
إسرائيل.. من الاحتواء إلى تغيير قواعد اللعبة
إذا كانت إسرائيل قد ركزت خلال السنوات الماضية، على سياسة احتواء التهديد الإيراني، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى انتقالها نحو مقاربة تقوم على استثمار اللحظة الإقليمية لإضعاف المشروع الإيراني، وليس الاكتفاء بردع قدراته العسكرية.
ويرى الباحث المصري المتخصص في الشأن الإسرائيلي أحمد الديب، أن استئناف المواجهة يمثل فرصة جديدة أمام إسرائيل، لتحقيق أهداف استراتيجية لم تتمكن من إنجازها في الجولات السابقة، وفي مقدمتها تقويض الترسانة الصاروخية الإيرانية، ومنع طهران من تطوير قدراتها النووية.
ويقول الديب، في تصريح خاص لـ”الحل نت”، إن الانخراط الأميركي في المواجهة، منح الحكومة الإسرائيلية زخماً سياسياً، وعزز الانطباع بوجود توافق بين واشنطن وتل أبيب في التعامل مع إيران، وهو ما وفر دعماً إضافياً لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الصعيد الداخلي.
ويذهب الباحث المصري، إلى أن إسرائيل لم تعد تنظر إلى الأزمة باعتبارها مواجهة مع حكومة أو مسؤولين إيرانيين، وإنما مع طبيعة النظام نفسه، معتبراً أن تغيير القيادات لن يؤدي إلى تغيير السياسات، بل قد يفرز شخصيات أكثر تشدداً.
ويرى الديب أن الهدف الإسرائيلي، يتجاوز إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية إلى تقليص نفوذ طهران الإقليمي، مستفيداً من التحولات التي شهدتها المنطقة، والضغوط المتراكمة على الداخل الإيراني.
محور يتراجع.. لكن هل ينهار؟
خلال السنوات الماضية، بنت إيران شبكة واسعة من الحلفاء والجماعات المسلحة في المنطقة، واعتبرت هذا الامتداد أحد أهم أدوات الردع في مواجهة خصومها.
غير أن التحولات التي شهدتها الساحات الإقليمية خلال الفترة الأخيرة، فرضت واقعاً مختلفاً، بعدما تعرضت هذه الشبكة لضغوط متزايدة، قلّصت من قدرتها على الحركة.
وفي سوريا، تراجع النفوذ الإيراني مقارنة بالسنوات التي أعقبت تدخل طهران المباشر لدعم نظام بشار الأسد، فيما واجه “حزب الله” الموالي لطهران في لبنان، ضغوطاً سياسية وأمنية متصاعدة أثرت على قدرته على التحرك كما كان في السابق.
أما العراق، فتشهد ساحته محاولات متزايدة لحصر نفوذ الفصائل المسلحة، وتعزيز دور مؤسسات الدولة، في وقت تعرضت فيه حركة “حماس” لضربات كبيرة، أثرت على قدراتها العسكرية والتنظيمية.
ويرى الخبير السياسي الإيراني وجدان عبد الرحمن، أن هذه التطورات أضعفت أدوات النفوذ الإيراني، لكنها لا تعني انتهاء المشروع نفسه.
ويقول المحلل الإيراني لـ”الحل نت”، إن المشروع مرتبط ببنية النظام الإيراني، وقد يتراجع بفعل الضغوط، لكنه سيبقى قائماً ما دام النظام قادراً على الاستمرار.
ويضيف عبد الرحمن أن العقوبات الأميركية، وتراجع صادرات النفط، والضربات التي استهدفت القدرات العسكرية الإيرانية، انعكست على قدرة طهران في تمويل أذرعها الخارجية، مشيراً إلى أن تقلص الموارد فرض قيوداً على مستوى الدعم الذي كانت تقدمه لهذه الجماعات.
جماعة “الحوثي”.. ورقة الضغط الأخيرة
وسط هذا التراجع في عدد من الساحات، تبدو جماعة “الحوثي” الموالية لطهران، واحدة من أبرز الأوراق التي لا تزال تحتفظ بأهمية استراتيجية بالنسبة لإيران، خصوصاً مع موقع اليمن على خطوط الملاحة الدولية، وقدرة الجماعة على تهديد البحر الأحمر ومصالح دول المنطقة.
ويرى الباحث في الشأن الإسرائيلي أحمد الديب، أن إسرائيل تنظر إلى جماعة “الحوثي”، باعتبارها جزءاً من منظومة النفوذ الإيراني، وليس مجرد طرف محلي في الصراع اليمني.
ويشير إلى أن الجماعة “الحوثية” أصبحت حاضرة في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، بسبب قدرتها على التأثير في حركة الملاحة، واستهداف المصالح المرتبطة بإسرائيل وحلفائها.
ويقول الديب، إن السياسة الإسرائيلية تجاه اليمن، لن تقوم على عقد تفاهمات مع جماعة “الحوثي”، بل على محاولة إضعاف قدراتها العسكرية، مع تجنب تصعيد واسع قد يمنح الجماعة مكاسب سياسية، أو يعزز حضورها الداخلي.
وبحسب الديب، فإن إسرائيل قد تركز خلال المرحلة المقبلة على العمل الاستخباراتي، والضغط غير المباشر، بهدف تقليص قدرات الجماعة وإضعاف ارتباطها بالمشروع الإيراني.
وفي المقابل، يرى عبد الرحمن أن أي تراجع في قدرة إيران على تمويل أذرعها سينعكس على مستوى الدعم المقدم لجماعة “الحوثي”، لكنه يستبعد أن تتخلى طهران بسهولة عن الجماعة، باعتبارها إحدى أهم أدواتها في المنطقة.
وتضع هذه المعطيات جماعة “الحوثي” أمام مرحلة مختلفة، فهي لا تزال تمتلك قدرات عسكرية مؤثرة، لكنها تواجه بيئة إقليمية أكثر صعوبة، مع تراجع مساحة الحركة الإيرانية، وارتفاع كلفة استمرار المواجهة.
ما بعد الغارات.. اختبار القدرة على الصمود
مع استمرار التصعيد بين إيران وخصومها، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة مختلفة عنوانها إعادة تقييم موازين القوة، لا سيما مع تراجع قدرة طهران على إدارة نفوذها الإقليمي بالزخم الذي عرفته خلال السنوات الماضية.
وفي ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية المتراكمة، إلى جانب التحولات التي أصابت عدداً من حلفاء إيران، فرضت على النظام الإيراني تحديات غير مسبوقة.
ومع ذلك، فإن امتلاك طهران لشبكات نفوذ وقدرات عسكرية، يجعل الحديث عن انهيار سريع لمشروعها أمراً غير ممكن في اللحظة الراهنة، إلا أن تغيير نظام طهران خلال السنوات سيكون ممكناً أكثر.
وما يدعم هذه الفرضية، هي المواجهة الحالية التي كشفت أن المعادلة تغيرت، فإيران التي كانت تعتمد على توسيع نفوذها عبر الحلفاء والقوى المسلحة، تجد نفسها اليوم أمام معركة مختلفة عنوانها الحفاظ على مواقعها، ومنع مزيد من التراجع.
وبينما تراهن إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، على أن تؤدي الضغوط المتصاعدة إلى إضعاف النفوذ الإيراني، تراهن طهران على قدرتها على الصمود وإعادة ترتيب أوراقها. وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة، ستبقى المنطقة مفتوحة على مزيد من الاحتمالات، بين احتواء التصعيد، أو عودة اتساع نطاق المواجهة، والتي على إثرها ستكون المنطقة مقبلة على لحظة انفجار بسبب إيران وميليشياتها العسكرية والتي سترتد عليهم بالسلبية وبالتالي زيادة احتمالية تغيير النظام الإيراني، مادامت تضيع الفرص التي تمنح لها من قبل دول الإقليم والغرب وواشنطن بشكل خاص.
الرابط:
